
محمد سالم الطالبي
استغل بعض ضعفاء النفوس الوضع الكارثي الذي تعيشه سيدي افني نتيجة التدمير الممنهج لشأنها المحلي على يد رؤساء تافهين، محاولين تغليط الرأي العام و تمهيد الطريق السياسي لعودة “ثوار” اركانة المندحرين، بالرغم من أن هؤلاء، كما يعرف القاصي والداني، سبق أن تربعوا على رأس البلدية و كل ما نجحوا في فعله من “إنجازات” ، طيلة سنواتهم الجعاف، هو التآمر كمقدمة ليتبعوا ذلك بمنح الثقة لرموز الفساد ، وفتح الباب أمام عودتهم القوية من جديد الى الساحة السياسية.
و حتى لا ننسى كذلك نسفهم لكل جسور الثقة مع المواطنين الذين صدقوا شعارات التغيير و منحوا “اركانة” في انتخابات 2009، و في سابقة تاريخية، اغلبية اكثر من مريحة لم يكن يحلم بها احد من السابقين.
والواقع ان الذين يتحسرون اليوم على ما تعيشه المدينة ويرثون لحالها ما عليهم إلا ان يعودوا شيئا ما الى الوراء ليفهموا أن –الرئيس- ، الذي تحولت المدينة في ولايته الى نقطة سوداء برا وبحرا وجوا ومع ذلك يستشهد “بتكلبونيت” على حائطه في الفيسبوك، مدعيا الإخلاص في العمل، بل ولا يزال يملك “السنطيحة” لتلقي التهاني بحصول الشاطئ على اللواء الأزرق، ما كان ليكون اصلا في الموقع الذي هو فيه الان لولا تزكية الحزب الاشتراكي الظالم للعباد والبلاد، بعد ان منحته الكتابة الاقليمية صفة مناضل صنديد، ورقته الى قيادي له كلمته المسموعة من منبر النضال، وزادت على ذلك بترشيحه في انتخابات الغرف المهنية عام 2009.
لهذا فاخر من يحق له أن ينتقد هذا الرئيس اليوم هم هؤلاء بالذات،- و إن كنت أعتقد أنهم لا ينتقدونه أصلا إلا من وراء حجاب لأنه ليس في مقدورهم ببساطة أن يواجهونه وجها لوجه، فالرجل هو من احتضن بكرمه اشغال تأسيس الكتابة الاقليمية وتعهدها بالرعاية، ليتحول لاحقا الى سفير فوق العادة لبلدية سيدي افني في الداخل وفي الخارج -، اضف اليهم جماعة المتملقين و ضحايا متلازمة ستوكهولم الذين اخذت عقولهم رهينة فسقطوا عن غير وعي في حب خاطفيهم لدرجة انهم صاروا يدافعون عنهم بكل الوسائل ، ويحاربون كل من سعى الى تحريرهم من الاسر الايديولوجي.
وحتى لا ننسى تلك السنوات التي قبضنا فيها على الجمر في تحد لكل من سولت له نفسه إعلاميا و سياسيا رسم صورة لا علاقة لها بواقع الأشياء، فمن واجبنا اليوم أن نظل أوفياء للموقع نفسه و نقف في وجه من لا يزالون يساهمون ، من قريب او من بعيد، في دعم تكرار مجزرة الديمقراطية و ماساة التسيير الجماعي الذي بسببه انحرفت المدينة عن المسار الصحيح لتجد نفسها رهينة “الخطافة” الذين يعبثون بحاضرها و مستقبلها، وبسببه فُتح المجال لعودة أبطال من ورق الى واجهة الاحداث، بعد أن صنع الشارع أبطاله الحقيقيين الذين فرط فيهم مناضلو “الكرطون” بمجرد وضع مؤخراتهم على كراسي السلطة.
ولذلك قبل ان يقدم أي كان على تقديم جواب مدفوعا لربما بحماس و جهل للأمور، فما عليه إلا أن يتساءل أولا هل كان من الممكن اصلا ان يعود هؤلاء المتخلفين عقليا و الفاسدين سياسيا الى مواقع التمثيلية لو أن مناضلي “اركانة” كانوا في مستوى المسؤولية التي القيت على عاتقهم، وانعكست شعارات التغيير على سلوكهم اليومي في تدبير الشأن المحلي؟
بالطبع لا. فالحقيقة التي لا يمكن ان يغطي شمسها غربال المغالطات ان عصابة “اركانة” تعتبر شريكة في جريمة الانتخابات الاخيرة التي أفضت الى صعود نجم الرئيس و من معه، والذي لم يجد من إنجاز يزفه للساكنة سوى تحويل السوق الأسبوعي من مكانه ، ووضع صورة لكلب على حائطه في الفيسبوك في سب ضمني لكل من ينتقد أداءه الفاشل.
وحتى لا ننسى كذلك انهم سبق أن تحالفوا “بالعلالي” مع رموز فساد معروفين وجدوا فرصة ذهبية لرعاية مصالحهم بعد أن تمثلوا داخل مكتب المجلس البلدي في 10 مارس 2014 الذي ترأسه عبد الناصر اطبيب. وبقية الفضيحة يعرفها الجميع.
وللذكرى كذلك فقد انسحبنا مباشرة بعد انتخاب الرئيس حتى نحرمهم من فرصة خلط الأوراق و لكي تخبر لغة الارقام لوحدها بأن للتحالف دفتر تحملات يقضي بتصويت “الثوار” خاضعين على من كانوا ينعتونهم والى الامس القريب برموز الفساد.
ولو كنت اردت بالمناسبة الوصول في تلك المرحلة بأي ثمن الى رئاسة البلدية، لكنت اكتفيت بالاتصال “بمول الشكارة” المعروف، والذي كان ينتظر بفارغ الصبر تحالفي معه، ولتكلف لوحده بشراء “الحوالة” ، و لكان أعفاني حتى من “انفصاليي” الداخل الذين طُلب منهم إحداث تمرد على متن سفينة المعارضة، التي لم يلتحقوا بها إلا بعد أن صار لها شأن كبير يخطب اصحاب المصالح الاقتصادية والسياسية ودها، ويتوسلونها بغرض تحقيق مصالحة مزيفة مع أغلبية صارت أقلية مهزوزة ومهزومة، ومع ذلك سمحوا لأنفسهم بالابتزاز و التفاوض بإسمها.
وهكذا تسبب هؤلاء جميعهم في غرق المدينة و أدخلوها مأزقا لاتزال تئن في وحله الى الآن.
لذلك عندما يريد البعض أن يقدم حلولا سياسية لمشكلات الحاضر فمن الأفضل و المنطقي كذلك، ان يستدعي دروس وعبر التاريخ قبل خوض أي تجربة، لأن هذا الاخير شاهد على عصر مرغ فيه “الثوار” قيم وأخلاق النضال الذي كانوا يدعونه طمعا في كراسي السلطة ، بالإضافة الى كونه مرجع يسعفنا في تفادي اخطاء الماضي، و يمنحنا ما يكفي من الحكمة قبل اتخاذ خطوات للمستقبل.
أما العاطفة فليست سوى انفعال وجداني يضيع فرص الحزم و الحسم مع الفشل السياسي، ولطالما هيأت البيئة النفسية والاجتماعية للقبول بمصالحة مزيفة عزز في ضوئها الفساد نفوذه تحت شعار عفا الله عما سلف.