
محمد سالم الطالبي
قبل 17 عاما من الان، تقريبا، انعقد منتدى محلي تحت شعار “جميعا من أجل افني اخر”.
و كانت هذه المبادرة التي استلهمت فكرتها بطبيعة الحال من المنتدى الاجتماعي العالمي، الذي انطلقت اشغاله الاولى في البرازيل، بالضبط في بورتو اليغري، من اجل تحقيق العدالة الاجتماعية و مواجهة العولمة، و الامبريالية المتوحشة، فاتحة خير على العمل الجمعوي بشكل عام، اذ التف حول طاولة النقاش مجموعة من الفعاليات للوقوف على الكثير من الانشغالات و التحديات المطروحة ، ما حفز العقل الجمعي على التفكير و التعبير متوسلا الخروج من أزمة بمختلف تجلياتها.
وفي هذا السياق الذي كان يطبعه شعور جماعي بالإقصاء و التهميش، تبلورت الكثير من الافكار في رؤوسنا الساخنة بما فيها ضرورة الاحتجاج على الوضع القائم. و ما يهمنا الان ليس تقييم مرحلة الاحتجاج و ما حدث بعدها من نشوء نزعة استبدادية مرضية خربت ما قبل الاحتجاج وما بعده، وانما الامر الاهم هنا هو النظر في عمق هذا الفعل الجماعي المبادر الذي حقق دون وعي منه تلك القطيعة المنشودة مع الانتظارية القاتلة للآمال، و أسهم من حيث لا يدري في تحريف النقاش باتجاه مصالحة مع الممكن قطعت الطريق على تفكير عدمي وعبثي تغديه مسلمات تتحالف مع المستحيل.
كان لهذه المبادرة الجماعية اذن، مفعول الحجر الذي يلقى فجأة في مياه راكدة، فقد استقطب مشاركة واسعة من الفاعلين في ورشات غرست اولى بذور الحراك و التغيير في البيئة السياسية و الجمعوية التي كانت تتهددها ازمة ثقة آخذة في التفاقم..
إن ما ينبغي الوقوف عنده في هذا الاتجاه، وانا استحضر جانبا مشرقا من عمل جماعي يعد مصدر الهام بالنسبة لأي تجربة حديثة، هو أهمية و قيمة التوقف في لحظة تاريخية لمساءلة الذات، و استشراف المستقبل، و العمل على تحريف المسار “الطبيعي” للوضع من خلال خلق مبادرة جديدة تجهض امال المعولين على حالة الفراغ.
فلم يحدث يوما ان تغيرت الأمور بالجلوس في قاعة انتظار ما قد يأتي و ما قد لا يأتي، و الاتكال على الدعاء وحده طلبا لحدوث معجزة تعلن نهاية سعيدة لمسلسل الخيبات.. لهذا فسيكون من المفيد جدا أن يبادر بعض الأشخاص، بصرف النظر عن انتماءاتهم، إلى القيام بوضع” بلاكة ” تضع حدا لهذا الصمت، ايذانا بشق مسار استباقي يروم خلق الشروط الصحية لإنجاح تجربة بديلة لتدبير الشأن العام.
لقدا بدا واضحا ان الاحزاب غير معنية بشي له علاقة بملء الفراغ بما يناسب من اقتراحات واصلاحات تعيد الثقة للناس في عمل حزبي و سياسي و تخلق نتيجة لذلك قطيعة مع تجارب الفشل السابقة، لهذا صار من الضروري التفكير من خارج الاطار الضيق لرسم خارطة طريق إنقاذ جديدة تحيى الأمل في إمكانية التغيير، وذلك اعتمادا على كتلة ديمقراطية تشرع في التعبئة و التفكير منذ الان في أفق تنزيل مشروع واقعي يبتعد عن كل الشعارات التافهة التي كانت سببا مباشرا في خراب العمران، شعارات لا يلجأ اليها في الواقع سوى من فشل بالملموس في تعبئة رصيد اقتراحي و فكري يكون له الأثر الايجابي على حياة الافراد والجماعات.
لقد ضقنا في الواقع ذرعا بخطاب المظلومية المعسول و المدسوس سما ، اننا بحاجة الى عودة العقل الى ميدان المعركة كي يتخلص الجميع من قيود “شرعية تاريخية” تسعى الى تأبيد الاستبداد المتنكر في زي النضال، وكأن اشخاص بعينهم هم من ناضل من اجل سيدي افني ومنطقة ايت باعمران ووجب على الناس، طبقا لهذه السرقة الموصوفة، ان يظلوا رهائن لحماقاتهم و مدينين لهم الى الابد. كلا!
ان الشارع بطوله وعرضه هو من صنع الملحمة الحقيقية في كل المحطات، ولم تنطفئ نار غضبه الا بعد أن وجد نفسه شاهدا على “فورفي” نضالي، و شاردا لوحده في لعبة كان ابطالها من ورق، والأدهى أنه لم يدرك أن ” الماتش تباع” إلا بعد نهاية “البطولة” !
إن النضال الحقيقي ليس مجرد تفريغ لشحنات عاطفية سببها اعطاب نفسية لا غير، انه التزام قبل كل شيء، انه الوفاء للمبدأ لا للاشخاص، مهما كان حجم الخسائر البشرية ، وهو التحرر الدائم من قيود الشعبوية المميتة في سبيل البقاء على مبدأ، خدمة لرسالة انسانية تنتصر للقضايا العادلة بصرف النظر عن مكان وجودها او هويتها.
لهذا كله فمن حق العقلاء اليوم ومن واجبهم ان يجلسوا حول طاولة التفكير والتعبير من جديد، في احتجاج على الذات المسؤولة عن واقع اخر مختلف، مستعيدين في هذا الموضوع مقولة الراحل الحسن الثاني “ماتليناش لاعبين”، في رسالة واضحة لمن يهمهم الامر كمقدمة لابد منها من اجل البناء على قواعد انقى، وأرقى، و ابقى !