ارشيفهم وتاريخنا

20 يونيو 2020
ارشيفهم وتاريخنا
ارشيفهم وتاريخنا

محمد سالم الطالبي


“لا تتحدى شخص متصالح مع وحدته، ولا يهتم لكونه وحيدا، لانك ستخسر دائما”
دوستويفسكي

أعلن عامل الإقليم، متبوعا برئيس البلدية، و من جانب واحد، حربا مفتوحة على الذاكرة المحلية و الوطنية، بعد أن ابديا رغبة مشتركة في خنق روحها التاريخية و الفنية المتمثلة على وجه الخصوص في تلك البنايات و الفضاءات الرائعة التي خلفتها الحقبة الاستعمارية.
و بهذا الموقف العدائي لخصوصية معمارية فريدة لم تتوقف ترجمته عمليا عند ” السبيطار” فحسب، حيث خضع هذا الاخير الى عملية تشويه واضحة لواجهته، وإنما تمادى ” البوكلان”، تحت مسؤوليتهما طبعا، في اقتلاع اشجار ” الباركي” ، و بالتالي تخريب فضاء بيئي كان من المفروض ترميمه و اصلاحه ليفتح ابوابه امام الناس، كما كان، عوض تعريضه لفصل جديد من الاعتداء، كما لو أن معاناته الطويلة مع التهميش والاهمال لم تكن في نظرهم كافية لتشفع له.
ولعله من الضروري اولا ان اقرأ على مسامع هذين المسؤولين غير المسؤولين، وغيرهم من الذين يفصلون التاريخ على مقاس “ارشيفهم” الخاص، بيانا تأسيسيا لما اريد ان اقول املا في إيقاظ ذاكرتهما التي يبدو أنها فاقدة للوعي بقيمة الذاكرة المشتركة، وبضرورة الانخراط غير المشروط في مسلسل شاق وطويل من اجل تكريس ثقافة تعنى بحماية البنايات و المعالم التاريخية. فبتاريخ 17 دجنبر 2007، توصلت جمعية ماربكينيا للسياحة الثقافية بمراسلة من وزارة الثقافة، حول موضوع تصنيف البنايات التاريخية، تقول فيها بالحرف أنها : “تولي عناية خاصة بالمباني والمواقع التاريخية بالإقليم في سياق التوجهات التي تعتمدها الوزارة للحماية والمحافظة على التراث الثقافي الوطني.
و حتى يتسنى لمديرية التراث الثقافي الاستجابة لطلبكم، المرجو موافاة هذه الاخيرة بلائحة المباني الكولونيالية مع اعداد ملف تقني ..”
وبهذا الحديث المختصر عن التفاصيل فان الوزارة تقر ضمنيا و موضوعيا بكون البنايات الكولونيالية تعتبر جزءا من الذاكرة من المفروض أن تحظى مثل غيرها بالاهتمام و الحماية عوض التهميش و الاقصاء و التخريب.
وإذا كان عامل الاقليم ورئيس “الجْماعة” يجهلان شيئا من هذا التاريخ، فالمفروض على الاقل ان
أن ينسجما مع توجه رسمي، لا ان يتنكرا لارشيفهم و لتاريخنا الذي تشهد عليه انشطة جمعوية بارزة كان اخرها وابرزها المنتدى الدولي للذاكرة و التراث الذي نظم الى جانب عمالة الاقليم و البلدية، وذلك من 6 الى غاية 8 اكتوبر 2015، وهو الحدث الدولي الذي استضاف اساتذة من جامعات اسبانية و مغربية خرج بتوصيات تدعو جميع الاطراف المعنية الى العمل على حماية البنايات التاريخية والذاكرة بشكل عام.
غير أن ما حدث اخيرا اظهر بما لا يدع مجال للشك ان المسؤولين على المستوى المحلي والاقليمي يغردون خارج السرب، غير معنيين بالمرة بهذا الهم المشترك، خصوصا بعد إعطائهما للضوء الاخضر لتدمير ما تبقى من “الباركي” El parque municipal.
و يأتي هذا في سياق غير عقلاني يرى بكون المنطقة مهددة دائما بالفيضان، مما يسمح لهم بالاختفاء وراء سور وقائي من المبررات شيدوه على معطيات ماضية تمنح لهم سلطة اجهاض اية مبادرة إصلاح ما يجب إصلاحه هناك .
واجهل شخصيا مصدر هذا الخوف المرضي من احتمال عودة الفيضانات بتلك الحدة التي عرفها عام 2014، الخوف الذي يتم استثماره سياسيا، و اشهاره في وجه كل من طالب بتأهيل المجال وترميمه، في محاولة غير معقولة للإبقاء على واقع الحال غير المقبول، و الاحتفاظ في الان نفسه ب”فيتو” يمنع اي مشروع يهدف الى اصلاح “الباركي” و الملعب البلدي على حد سواء.
والجميع يعلم ان مشاريع صرفت عليها الدولة الملايير، من قبيل القنطرة و السدود الوقائية، شيدت بهدف الحماية من خطر الفيضانات عبر تطويعها، ما يعني انه يكفي الان تأهيل الوادي بشكل استباقي يضمن عدم عرقلة المسار الطبيعي للمياه، وذلك عبر إخلاء طريقها، تحسبا للأسوأ، من تلك المخيمات ” السياحية” المقززة التي تعترض سبيلها، والتي بالمناسبة لم يحدث يوما أن أصيبت ولو بشظايا طفيفة جراء هذه الحرب المعلنة وغير العادلة التي تستهدف المعالم التاريخية دون سواها.
أما “الباركي و الملعب البلدي في رأيي المتواضع فليسا معنيين الان كما هو واضح للعيان بهذا الخطر، اللهم ان كان عند هؤلاء المسؤولين إيمان “بمقادير” اخرى تختلف كليا عن الايمان بقدر الله وقضائه، وهي قدرية إن استسلمنا لها من شانها ان تسقط الايمان نفسه.
لكن السؤال المطروح الان هو لماذا وكيف وصلت الجرأة بهؤلاء المسؤولين للتنافس على طمس ما تبقى من معالم المدينة، و الهجوم غير المشروع على هذا الارث المعماري المتميز الذي يقف على النقيض تماما مع تلك الصناديق الاسمنتية فارغة المحتوى فنيا ومعماريا؟

وللجواب عن هذا السؤال يكفي طرح سؤال اخر من اجل معرفة الحقيقة وهو لماذا يا ترى لم يخرج “الناشطون” من جحورهم بهذا الزخم عندما تعلق الامر مثلا باقتلاع “الكرابا” وتعويضها بزليج مثير للاشمئزاز، بالإضافة الى الاقتحام غير المسبوق في تاريخ المدينة ل “الطراكس” لساحة الحسن الثاني المعروفة بPlaza de España ، في زمن السيبة الذي مثلته “اركانة ؟!
ولولا الالطاف الالهية وتدخل بعض الغيورين لعرفت الساحة مصيرا أسوء مما وقع “للباركي” اليوم.
إن هذه الانتقائية إذن في اختيار الاهداف حماية لتراث العلاقات المشتركة، هو ما يقودني الى الاعتقاد بكون ازمة المبدأ هي ما أفقد خطاب المظلومية في النهاية مصداقيته مثلما شجع الاخر على التسلل عبر هذه الثغرة السياسية لتنفيذ جرائمه في حق المعمار و البيئة و الثقافة بشكل عام.
وخير دليل على هذا ما تعرضت له ثانوية الحسن الاول عندما تطاول مندوب التعليم بدوره عليها، بعد لقاء عقده بفندق “صافا” ضمن على مائدته صمت الجميع، مدعيا أنه سيعاود بناءها وفق التصميم الاصلي، اذكر انني كتبت حينها مقالات منددا بذلك السلوك الارعن، ومحذرا من مغبة القضاء على معلمة تاريخية، غير انه وللأسف لا احد من اولئك “الناشطين” ، الذين ينشطون حسب ما تمليه المناسبة، اعترض على خطته، ببساطة لكون الحضور الاحتجاجي يعكس غيابا مبدئيا يجعلهم يجمدون تنديدهم عندما يتعلق الامر برفيق أو حليف ، بل و “يسرطون” السنتهم نكاية في كل من يعتبرونه “مبدئيا” خارج خانة مصالحهم السياسية والاديولوجية الضيقة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة