نون بوست علي الكوري
يعيش حزب الأصالة والمعاصرة واحدة من أعقد مراحله التنظيمية، حيث تتفاقم الصراعات الداخلية وتبرز الخلافات مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة. الحزب، الذي كان يعول عليه كقوة سياسية وازنة، أصبح اليوم مثقلا بقرارات ارتجالية تراكمت منذ عهد عبد اللطيف وهبي، ولم تتمكن القيادة الحالية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري من تجاوزها أو معالجتها بالعمق.
من أبرز الملفات التي تركها وهبي وراءه، قرار طرد النائب البرلماني محمد سالم الجماني، أحد أعيان الأقاليم الجنوبية وصاحب مكانة سياسية وازنة. هذا القرار الذي اتخذ في ظروف غامضة بخلفيات شخصية أكثر من كونها تنظيمية، خلق أزمة حقيقية داخل الحزب، خاصة في العيون وباقي الأقاليم الجهة ، حيث يحظى الجماني بثقل انتخابي لا يمكن الاستهانة به.
المثير في الأمر أن القيادة الحالية لم تقدم على خطوات جدية لتصحيح الوضع. فبينما سارعت إلى إعادة برلماني مهاجر إلى صفوف الحزب، تم في المقابل إهمال اسم وازن مثل الجماني. فهل كان من المنطقي تجاهل شخصية لها حضور انتخابي وسياسي قوي في منطقة حساسة كجهة العيون الساقية الحمراء ؟ أم أن الحزب لا يزال يدار بمنطق الولاءات الضيقة بدل الحسابات الاستراتيجية؟
وعلى مستوى جهة كلميم وادنون، برزت في الآونة الأخيرة خلافات واضحة بين بعض كوادر الحزب، وهو ما ينذر بتأثير مباشر على الاستحقاقات المقبلة، خصوصا في ما يتعلق بالمقاعد البرلمانية التي قد تصبح محل تنافس داخلي بدل أن تكون رهانا جماعيا.
وفي سياق جهة كلميم وادنون، يظل إقليم كلميم على وجه الخصوص ساحة تنافس قوية في الاستحقاقات المقبلة، حيث يبرز اسم البرلماني محمد الصباري كأحد أبرز المرشحين بحكم حضوره المتميز داخل البرلمان وخارجه في ما يخص ملف الترافع عن قضية الصحراء. وقد جعله هذا الأداء رقما صعبا في المعادلة الانتخابية، إذ يحظى بدعم واضح من المركز، ويشكل منافسا جديا لباقي الأحزاب، بل ويضعها أمام صعوبة كبيرة في الحفاظ على مقاعدها البرلمانية. هذا الوضع يثير سؤالا جوهريا: هل ستتدخل فاطمة الزهراء المنصوري لإصلاح هذه التصدعات قبل الانتخابات، أم ستبقى الخلافات قائمة لتضعف حظوظ الحزب في المنافسة بالجهة؟
الأدهى من ذلك أن قرار الطرد المتعلق بالجماني لم يفعل حتى اللحظة بشكل رسمي، إذ لا يزال يمارس مهامه بشكل عادي داخل مجلس النواب ويحضر اجتماعات الفريق النيابي للحزب. هذه المفارقة تكشف ارتباكا واضحا داخل القيادة، فكيف لحزب يعلن عن قرار تأديبي في بلاغ رسمي ولا يملك الجرأة على تنفيذه؟
إن أزمة الحزب اليوم لا ترتبط فقط بالخلافات التنظيمية، بل بغياب الوضوح في القرارات والتردد في مواجهة التحديات. فكيف يمكن للناخب أن يثق في حزب لم يحسم موقفه حتى داخل بيته الداخلي؟ وكيف يطمئن مناضلوه لقيادة تتردد في معالجة ملفات حساسة قد تؤثر مباشرة على نتائج الانتخابات المقبلة؟
الأقاليم الجنوبية تظل الاختبار الأصعب، إذ تختلف معادلاتها بشكل كبير عن باقي الجهات، وتبقى المنافسة هناك محتدمة بين أقطاب نافذين، في مقدمتهم ولد الرشيد. وفي ظل هذه المعادلة، هل يدرك حزب الأصالة والمعاصرة أن تهميشه لاسم بحجم الجماني قد يضعف موقعه أكثر ويمنح خصومه تفوقا انتخابيا واضحا؟
في النهاية، يبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بإعادة ترتيب بيته الداخلي واستعادة ثقة قواعده قبل خوض غمار الانتخابات. والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل تملك فاطمة الزهراء المنصوري الشجاعة لاتخاذ قرارات جريئة تنقذ الحزب من أزمته، أم أن “الجرار” يسير نحو مزيد من التآكل والتراجع السياسي؟