
نون بوست / بقلم الدكتور عالي الشاي
** إلتباس لابد من توضيحه **
تابعت العديد من التفاعلات مع نازلة مقبرة لقصابي، وأحسب أن الكثير منها كان عفويا وبحسن نية، غير أن مرده في الغالب إلى عدم فهم أبعاد وتمظهرات الأطروحة الانفصالية، التي تتداخل فيها عوامل عاطفية وعائلية تخص أطرافا مختلفة، وعوامل اجتماعية واقتصادية مرتبطة خصوصا بفئات شبابية تعيش أوضاعا صعبة: معطلين، حاملي شهادات، أو طالبي لجوء في الدول الغربية.
موضع الالتباس يتجلى في تبرير بعض الأصوات لجوء هذه الفئات إلى الطرح الانفصالي باعتباره مجرد “أداة ترافعية مؤقتة” تنتهي بتحقيق المطالب ثم العودة إلى “التوبة النصوح”. هذا المنهج ليس جديدا، بل غذته سنوات من المقاربة الأمنية في تدبير الملف، حيث كان التعامل غالبا إما بالعصا أو بالجزرة. والنتيجة أن عددا متزايدا من الأفراد يختارون هذا الطريق، لأنه في نظرهم يضمن الإنصات والاستجابة لمطالبهم، في وقت يهمل فيه المواطن الحر المبدئي الذي لا يقامر بوطنيته. وهنا يكمن المأزق الحقيقي.
فالمواطن العادي لا يجد قنوات ترافعية قوية وفعالة، رسمية أو غير رسمية، للدفاع عن حقوقه المشروعة في الشغل والسكن والتعليم والكرامة. وإن وجدت فهي في الغالب انتقائية، موسمية، أو مرتبطة بالمضاربات الانتخابية. والدولة ومؤسساتها لا تتقن فن الإصغاء الحقيقي، بل تعتبر كل صوت مرتفع نوعا من “ليّ الذراع” يجب تأجيله أو إسكاته. وأحيانا يصل الأمر إلى إلصاق تهم الانفصال والتحريض بملفات مطلبية اجتماعية صِرفة.
في غياب مؤسسات وساطة قوية، يصبح التطرف واردا لدى الطرفين، ويغذيه سوء الفهم الناتج عن المواجهة المباشرة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وهنا تزداد الفجوة، ويضيع النقاش الوطني الرصين.
نحن جميعا نرفض الخطاب التحريضي ضد الشباب وتأليب الأجهزة عليهم، كما نرفض بالمطلق أي مقامرة بوحدة الوطن أرضا وشعبا وأمنا. الواجب أن يُعلَى الحس الوطني في المطالبة بالحقوق، وأن يكرس أيضا في الاستماع لهذه المطالب.
ونحن نخلد ذكرى ثورة الملك والشعب التي توجت بالاستقلال وجلاء المستعمر، فإن أقل واجب علينا هو استلهام روحها الوطنية وعبقها الوحدوي، والسعي معا إلى بناء مغرب المستقبل: وطن يجد فيه المواطن الملاذ الآمن، والأذن الصاغية، والكرامة المستدامة.