نون بوست – علي الكوري
تعد الواحات على إمتداد الزمن مجالات إيكولوجية متميزة توفر لأهلها ظروفا معيشية طبيعية خاصة، إضافة إلى كونها مجالا طبيعيا لعيش العديد من الكائنات الإحيائية وحزاما إيكولوجيا على سفوح الجبال أو نقط حياة داخل الصحاري الممتدة، وتميزت الواحات لنفسها بأنماط حياتية خاصة.
وتعتبر واحات كليميم وادنون الممتدة من سفوح جبال الأطلس الصغير وسلسلة جبال باني إلى تخوم واد درعة، مجالات ذات قيمة ترابية كبيرة ومناطق إستقرار منذ قرون خلت، وقد عرفت هذه المنظومة البيئية مجموعة من الكوارث الطبيعية أهمها الفيضانات والحرائق هذه الأخيرة التي إستفحلت كثيرا في السنوات الأخيرة والتي أثرت بشدة على الألاف من أشجار النخيل.
فماهي يا ترى أسباب هذه الأفة ؟ وما أثرها على الواحات ؟ وما المجهودات المبذولة للحد منها ؟

واحات كلميم المميزات والأدوار
تتوزع على إمتداد تراب إقليم كليميم واحات طبيعية شكلت مجالات إيكولوجية منفردة وفضاءات إستقرار وإستجمام للإنسان وملاذ للعيش أو العبور لعديد الأصناف من الطيور والحيوانات، ومجالا لممارسة العديد من الأنشطة الفلاحية الواحية إضافة إلى كونها وجهة لهواة السياحة الإيكولوجية، وتمتد هذه الواحات من أقصى نقطة مجالا في الإقليم، وهي جماعة أداي إلى جماعة راس أومليل جنوبا وعلى مشارف واد درعة حيث تمتد واحات منسية عديدة أهمها واحة خنيك لعظام مرورا بواحات تغجيجت الممتدة وواحات تغمرت وأسرير المتاخمة لمدينة كليميم.

ظاهرة حرائق الواحات بكليميم
كثيرة هي المشاكل التي تتعرض لها الواحات بكليميم والتي تؤثر سلبا على نظامها الإيكولوجي من جفاف، فيضانات، وحرائق، لكن آفة الحرائق تبقى هي الكارثة الأكثر ضرارا بهذه الجنات التي حبى الله بها إقليم كليميم.
وقد تعرضت واحات بإقليم كليميم خلال العشر سنوات الأخيرة إلى سلسلة من الحرائق المدمرة كان لها الأثر البارز على أعداد أشجار النخيل وعلى فضاء الواحات المتضررة عموما وحسب الإحصائيات المتوفرة خصوصا واحة تغمرت مثلا، فقد فقدت هذه الواحة لوحدها سنة 2019 حوالي 3000 نخلة من مجموع النخيل الموجود بها والبالغ 19979 نخلة، أي أن واحة تغمرت فقدت مايعدل %16 من مجموع النخيل في السنة واحدة فقط وفي سنة 2020 عرفت نفس الواحة حرائق وصفت بالأخطر، حيث غطى هذا الحريق مساحة تجاوزت 80 هكتارا وخلف خسائر فادحة همت الحقول والمواشي والمنازل والممتلكات الخاصة، وأتت على بعض المأثر التاريخية إضافة إلى تحويل أشجار النخيل إلى رماد مما زاد من تدهور النظم البيئية والإيكولوجية للواحة وأدى إلى هجرة العديد من أهل الواحة إلى خارجها.

العوامل المسؤولة عن الظاهرة
يبقى العامل البشري الاكثر تسببا في ظاهرة الحرائق، حيث أن نشاط الإنسان أو إهماله غالبا مايكون هو السبب المباشر، ولعل إهمال الإنسان الواحي للنخيل أدى إلى تنامي الأعشاش وبالتالي صعوبة الولوج إلى الواحة بسبب إنسداد المسالك الضيقة أصلا نتيجة الأعشاش أو نتيجة أنشطة أهل الواحة، وعلى العموم يمكن حصر أسباب هذه الظاهرة في :
* سلوكات الإنسان الواحي والزائر على حد السواء.
* إهمال العنابة بالواحات.
* معالجة بعض الظواهر باللجوء إلى عملية الحرق.
* رمي القمامة التي تحتوي مواد تساعد على انشغال الحريق كالزجاج وحرقها قرب أو في الواحة.
* الأفعال الإجرامية.


مجهودات المتدخلين للحد من الظاهرة
يتم بذل مجهودات كبيرة سنويا للحد والتخفيف من هذه الآفة وأثارها المدمرة بيئيا وإقتصاديا وإجتماعيا، وتتعاون في ذلك العديد من الجهات من سلطات محلية ومنتخبة ومجتمع مدني إضافة إلى مصالح الوقاية المدنية ومصالح الفلاحة ووكالة تنمية مناطق الواحات والأركان، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد قامت مصالح الوقاية المدنية بكليميم بأكثر من 90 تدخلا على إمتداد واحات الإقليم في الثلاث السنوات الأخيرةـ أي بمعدل 30 حريق سنويا، أما على مستويات أخرى، فإن المتدخلين الأخرين يقومون كل في مجال إختصاصه بالعمل من أجل التخفيف من أثار الحرائق أو تعويض النخيل بتوزيع مسائل النخيل والأشجار المثمرة على فلاحي الوحات وتواجه مجهودات المتدخلين بالعديد من الإكراهات والمعيقات أهمها :
– التداخل مع التجمعات السكنية.
– غياب المسالك والولوجيات لدخول شاحنات المياه.
– غياب التجهيزات الضرورية خاصة نقط الخاصة بأخذ بالمياه.
– تحول أجزاء من الواحات إلى غاية بسبب إنتشار الأعشاش وعدم تنقيتها.
وعلى مستوى أخر يتطلع النسيج المدني المحلي إلى تنزيل إستراتيجيات واضحة تروم الحد النهائي من الأثار المدمرة لهذه الظاهرة من خلال :
– تكوين النسيج الجمعوي الواحي وإكسابه القدرات والمهارات في التدخل السريع والناجح.
– دعم المجتمع المدني الواحي بالوسائل اللوجستية لمجابهة الظاهرة.
– فتح المسالك الأمنة بكل الواحات وتحديد مسارات معلومة للتدخل.
– توطين نقط الماء والممرات الأمنة على تطبيقات خاصة.
– خلق وحدات للتدخل خاصة وثابتة في الواحات الكبرى.
– تنظيم حملات سنوية لتنظيف الواحات.

وتبقى المجهودات المبذولة محدودة وغير كافية ومناسباتية ومعها تبقى آمال سكان الواحات بهذا الإقليم معلقة تنتظر إهتماما أكبر بهذا الموروث الذي حافظت عليه ساكنة المنطقة لقرون من الزمن والتي بحذوها طموح كبير في إعادة الحياة إلى هذه النظم البيئية وضمان إستدامتها، ولم لا تطويرها وتثمينها بما يجعلها نقطة جذب وتكريس لنمط حياة إيكولوجي بديل وطبيعي .