ليس دفاعا عن فرنسا…؛ ولكن دفاعا عن التاريخ…!

3 أبريل 2020
ليس دفاعا عن فرنسا…؛ ولكن دفاعا عن التاريخ…!
ليس دفاعا عن فرنسا…؛ ولكن دفاعا عن التاريخ…!

بقلم الباحث رشيد أزلف

مناسبة كتابة هذه الأسطر… تفاعل مع تصريح الطبيب الفرنسي حول تجريب الدواء في إفريقيا وردود الأفعال التي اثارها…
نهجت فرنسا ضمن سياساتها الاستعمارية في المغرب على الأقل أشكال ووسائل مختلفة من التمهيد السياسي؛ منها العزو المالي وسياسة القروض، البعثات العلمية… والسياسة الطبية؛ وهي مربط الفرس، لذلك، عمل المقيم العام ليوطي المثقل بتجربة محترمة في الجزائر ومدغشقر بقاعدة “نريد أن يحبنا هذا الشعب”(je veux nous faire aimer par ce peuple).
نهجت فرنسا ضمن ما نهجته سياسة التطبيب؛ كأداة ناجحة في إطار سياسة “التهدئة”، فبالنسبة لفرنسا يعني وجود أطباء بالمغرب يمكِّن من تعويض الدبلوماسي والعسكري، واللافت للانتباه أن الكثير منهم لعبوا أدوار في تاريخ المغرب على سبيل المثال ( Guillaume berard, Etienne hubert) والدكتور ليناريس (Linarés) الطبيب الخاص والمرافق للمولى الحسن الأول.
لقد أدركت فرنسا منذ البداية أهمية الوحدات الطبية؛ لذلك عملت على هيكلتها وفق ما يخدم مشروعها الاستعماري؛ وعكس هذا الأمر دفاع ليوطي عن هذا التوجه مطالبا إدارة الحماية مده بأطباء كثر، لأنه بالنسبة إليه يمثل هؤلاء على حد تعبيره ” أرواحا سخية محبة ومقنعة(…) الطبيب ينحني على قلب المريض، ليس من أجل سماع نبضاته فحسب، بل فهمه وكسب ثقته”، لكنه يقول كذلك ” سأوظف هؤلاء ضمانا لتحسين الوضع الصحي، وليمنحوننا دعاية سياسة قوية”، لذلك عمل على خلق وحدات طبية متنقلة؛ لأنه يدرك جيداً أنها ستعبد الطريق لتحقيق مكاسب سياسة تخدم مشروع فرنسا الاستعماري بالمغرب…
لقد صادف الوجود الفرنسي بالمغرب؛ وجنوبه خاصة انتشار الملاريا والطاعون والتيفويد.. تحديدا سنوات 1912 – 1913-1914( حسب وثائق الأرشيف الفرنسي وبعض الدراسات)، وكان يستقر بتزنيت مثلاً خلال فترة الحماية الدكتور “Deligne Maurice”.
بلغ عدد المصابين بالملاريا بالمغرب حسب الاحصائيات سنة 1917 حوالي 55 ألف؛ منها 59 حالة فقط بأكادير، في حين سجلت جهة مرااكش لوحدها 19070 حالة.
ما بين 1928-1929 اجتاح وباء التيفويد الجنوب المغربي، لكن كان الطاعون الذي حل بالمنطقة سنة 1940 أكثر انتشارا وفتكا بالأرواح.
من بين أشهر الأطباء الفرنسيين خلال هذه الفترة بالجنوب المغربي الطبيب الرحالة بول شاتنيير (Paul chatière)؛ الذي جاب كل مناطق الجنوب خاصة سوس رفقة الجنرال الفرنسي قائد جهة مراكش الجنرال دولاموط (de lamothe)، وكتب عن رحلته مؤلفا سماه ” Dans le grand Atlas Marocain”. قدم هذا الطبيب خلال مقامه بين سنوات 1912-1916 خدمات طبية، بالموازاة مع إقناع الأهالي بأهمية ورمزية اهتمام فرنسا بصحتهم رغم انشغالها بالحرب العالمية الأولى.
قصة هذا الطبيب تبدوا إنسانية للغاية تستحق التعريف بها؛ فقد عمل متطوعا لسنوات في المجال الصحي بسوريا وفلسطين ولبنان حيث توفيت زوجته، وعمل ما يقارب 25 سنة متطوعا في هذا الميدان، لكنه ارتبط وجدانيا بالمغرب فعاد وطلب السماح له بالعمل بتارودانت التي قضى فيها أثناء جولته الأولى 10 أيام فقط، لكنه حسب تعبيره “أحب سكانها الودودين الطيبين”، عمل في الجبهة الأمامية في المستوصف الذي أنشأه محاربا وباء التيفويد الذي انتشر ما بين 1927-1928؛ فاقتحم البيوت للكشف عن بؤر انتشار العدوى، وعزل المرضى وقاوَم بما يملك من إمكانيات إلى أن أصيب بالعدوى وتوفي في 9 فبراير عام 1928، ودفن في حديقة المشفى نزولا عند رغبته، وحمل المشفى إسمه إلى أن تم استبداله بمستشفى المختار السوسي لاحقاً (هو المستشفى الرئيسي اليوم بالمدينة).
لاشك أن الغاية من اعتماد فرنسا لهذه السياسية كانت تحكمها أهداف ومرجعيات وخلفيات استعمارية؛ لكن العمل الطبي شكل على الدوام إحدى أولويات الإدارة الفرنسية منذ توقيع وفق الحماية سنة 1912، وكان هاجس تحسين الوضعية الصحية للمغاربة حاضرا؛ بل شرطا مسبقا لنجاح سياسة استعمار المغرب باعتماد التهدئة بواسطة الوزرة البيضاء.
والثابت في القول أن نستحضر اليوم ما قاله في هذا السياق Bel madani حيث يقول ” (…) رغم الأخطاء والحماقات المقصودة والغير المقصودة، رغم المضايقات؛ فإن المغرب مدين لفرنسا باستقراره، تطوره، وعصرنته، بل ووحدته (…) دون إنكار الشخصية المعقدة لبعض أفراده (…) يمكن القول اختصارا بأن مغرب عهد الحماية عرف فئتين من الفرنسيين، من المهم جداً أن نميز بينهما: أولئك الذين يفعلون الخير والآخرون، و الفئة الأولى هم: الجسم التعليمي ورجال ونساء الخدمات الطبية؛ لهؤلاء يجب على المغرب أن يعترف بالجميل والتقدير، (…) خلقوا وطوروا الصداقة، جاءوا واعطوا، وانصرفو دون أن يأخذوا أي شيء(…).
فهل يشفع هؤلاء لفرنسا أخطاءها… فقط دفاعا عن الوجه المشرق من التاريخ… دفاعا عن هؤلاء…

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة