
لما أسمع كلمة العصا لا أدري لماذا تتبادر إلى ذهني الأقوال التالية: “العصا في الرويضة“ و”العصا لمن عصى” و”شد العصا من الوسط”؟ ولماذا تظهر أمام عَيْنيّ صور أخرى لها من قبيل: عصا موسى عليه السلام وعصاالحكيم..؟
وذاك ما أثار فضولي إلى أن اكتشفت أن العصا ذات الأحرف الثلاث ليست مجرد قطعة من الخشب أو عود من أشكال وأحجام مختلفة، وإنما هي شيء ذو مغزى وأهمية وله غايات وأغراض متنوعة، وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأنها شيء بسيط فإنها على العكس من ذلك تحمل قوة وتأثيرا كبيرين.
لنتأمل بعضا من سياقات توظيفها واستخدامها:
فالشيخ يستند على العصا لحفظ توازنه أثناء السير.. والمربي (المعلم والفقيه) من أجل التأديب أو العقاب أو التخويف والوعيد للقيام بواجب أو غيره ــــــ استغني عنها منذ سنوات في ميدان التربية والتكوين ـــــ .. والراعي لتوجيه الماشية وحمايتها.. ويستخدمها الشرطي وأفراد القوات المساعدة لضبط النظام أو التدخل لتفريق التجمعات أو للدفاع عن النفس.. والرياضي للعب “الهوكي أو الغولف“.. وهي جزء من الرحى والمكنسة.. وأداة أساسية للخيمة، كما تستعمل في السقي أو أثناء التنقيب عن الماء “مفمان”..
والعصا معجزة ربانية: فلما سئل موسى عليه السلام من لدن الخالق تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)، أجاب قائلا: (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى)، ثم تحولت إلى إحدى معجزات نبي الله موسى حيث قُلبت حية عظيمة ( فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ)، وضَرب بها الحجر فانفجر عيونا من الماء (فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا)، وضَرب بها البحر فانفلق (فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ).
وذهب البعض إلى اعتبار العصا مصدر إلهام، ومثال ذلك أن الأديب المصري توفيق الحكيم اشتهر بملازمة عصا لأمد طويل يتوكأ عليها وتصحبه في كل مكان، وكانت منبع إلهامه في كتاب “عصا الحكيم“، وقيل أن العصا جعلتهذا الأديب ذا إنتاج غزير وإبداع وفير خاصة أنه استمر يكتب لمدة تقرب من سبعين سنة متواصلة.
وهكذا فقد تكون العصا أداة للتوكؤ أو اللعب أو التأديب أو الضبط.. وقد تكون رمزا للقوة أو السلطة أو الدفاع عن النفس.. ويختلف سياق توظيف العصا من إنسان إلى آخر، فقد نتفق مع الشاعر هشام الجخ حين قال:
ألستم من تعلمنا على يدكم أن العود محمي بحزمته ضعيف حين ينفرد؟
وقد لا نتفق مع الشاعر أبي الطيب المتنبي حين قال:
لا تشـتَـرِ الـعَـبـد إلا والـعَـصَـا مـعــه *** إِن الـعَـبِـيــدَ لأنـــجـــاسٌ مَـنـاكــيــد
أما الأقوال: “العصا في الرويضة“ و”العصا لمن عصى” و”شد العصا من الوسط”.. فالقارئ لن يجد صعوبة في تفسير مدلولها، وعليه ألا يكون ممن يشملهم القول الأول الذي يعد توصيفا للبلوكاج والتمادي في الانتقاد والرفض والمعارضة.. وألا يكون من هواة اصطناع العراقيل للساعين إلى النجاح والتعامل معهم بقساوة.
محمد غانم