
أعود إلى الوراء قليلا لأتوقف عند وجه من أوجه استعمال النداء ودلالاته بين الأزواج، وأقصد تحديدا ما كان يدور بين أمهاتنا وآبائنا لزمن انقضى خصوصا أثناء مناداة كل طرف على الآخر، وما يوظفانه من عبارات دالة، وما ينم عنها من غايات وأغراض.
فهل تذكرون ماذا كان يقول الزوج عند نداء زوجته؟ وما تقوله عند مناداته؟
لماذا يتجنب الوالدان عن قصد استعمال أسمائهما الشخصية أثناء مناداة بعضهما البعض؟
هل عايشتم مثل هذا الأسلوب في الخطاب بين والديكم: “وَاهْيَا” / “وَاهْيَةَ”؟
لنتأمل قليلا..
فالنداء أكثر الأساليب الإنشائية تداولا في لسانا اليومي، ويستعمله المنادي في خطابه الموجه للمنادى لأغراض شتى منها على سبيل المثال: الطلب والتنبيه والتحذير.. ويبقى المنادَى منصتا منتبها لما يُطلَب منه، إلا أن استعمال الأب أو الأم “المنادي” ألفاظا غير مألوفة لينادى بها على ما هو معين ومعروف تنطوي وراءه العديد من الغايات والدلالات أضف إلى ما يثيره من دهشة وغرابة وفضول.. ومن ذلك نذكر:
● أَنّ استعمال لفظتي “وَاهْيَا” وَ “وَاهْيَةَ” مثلا لنداء العلم المفرد لا يعد انتقاصا من قدر الزوج أو الزوجة وشأنهما بل يعبر عن الاحترام الشديد لشخص المنادى، وتعبير تقدير ووقار، ونسوق في هذا الصدد مثالا آخر يحمل نفس الدلالة: فعند خروج الزوجين معا للتجوال أو قضاء حاجة.. تجد الزوجة في الغالب متأخرة عن زوجها بخطوة متفادية السير بجانبه على نفس الخط وتسارع للحاق به.
● أَنّ تجنب الكشف عن الاسم الحقيقي للمنادى ” الزوج أو الزوجة” أمام العموم يراد به عدم إشهاره للغرباء، ويدخل في نطاق الحياء والعفة أو الخجل الذي يسيطر على العلاقة الزوجية، وتكريسا لمبدإ السرية ومن باب “للبيوت أسرار”.
● أَنّ ذاك النداء سلوك وتربية تأدب عليهما الأزواج نقلا عن الأسلاف، ودعامة ساروا على نهجها حفاظا على تماسك الأسرة والتنشئة الصالحة.
وعلى الرغم من الإشارات والمعاني الموضحة أعلاه، لقي هذا الوجه من النداء الذي قل تداوله في أيامنا الحالية سهام النقد، واعتبره جمهور العَوّام سلوكا معيبا، فهناك من صنفه من المنظور الديني في خانة الآثام والذنوب، واعتبرته فئة أخرى انتهاكا لحق من الحقوق الإنسانية حسب نزوعها الإنساني، ويبقى الأخطر الآن هو استمرار بعض الأزواج والزوجات في توظيف ضمير الغائب “هو / هي” خلال نقل خبر أو حكي ما عن بعضهما عن البعض!.
محمد غانم