نسلط الضوء على بدايات أسماء سطعت في مجالات مختلفة القاسم المشترك بينها أنها من الأقاليم الصحراوية..
“كفاءات الصحراء”، سلسلة تعدها جريدة “نون بوست” الإلكترونية، تلتقون من خلالها مع وجوه تمكنوا من نسج قصــة نجاح استثنائية، نقربكم منهم ونعرفكم على بداياتهم ونستكشف الطريق التي سلكوها والتي لم تخل من أشواك.
نُخصص هذه الحلقة، للمحامي بهيئة أكادير وكلميم والعيون الأستاذ الحسان ميروش.
في واحة نخيل فيحاء – من واحات بلدة تاغجيجت الصحراوية – رأى النور ذات فصل من فصول سنة 1970، وفي ذات الواحة قضى طفولته الأولى في أحضان قبيلة “آيت ابراهيم”، إحدى أركان فدرالية قبائل “تكنة” الصحراوية.
في تلك الواحة كان يصبح ويمسي على أشجار نخيل فارهة، وقد حبته الطبيعة بمعروف قل أن تجود به على الجميع. ظل يقطع المسافة الفاصلة بين منزله والمدرسة، جيئة وذهابا، في تمرين شبه يومي يرفع من خلاله رأسه نحو الأعالي ليتأمل أشجار النخيل السامقات. هكذا كان دأبه حتى تحصل على شهادة الدروس الإبتدائية. وفي سبيل طلب العلم، شد الرحال نحو مدينتي بويزكارن وكلميم المتاخمتين لبلدته قصد استكمال دراسته بإعدادية محمد الشيخ وثانوية باب الصحراء التي أحرز في صفوفها شهادة البكالوريا. إنه الأستاذ والمحامي “الحسان ميروش”.
على خطى أسلافه ، يمّم وجهه شطر مراكش عاصمة النخيل، فما ودع النخيل في موطنه إلا ليعيد معانقته في الغربة من جديد. هكذا كان قدره وكذلك كانت رسالة الطبيعة إليه واضحة للعيان: جاهد النفس واجتهد، وشمر عن سواعد الجد كي تعيش شامخا كما النخيل الباسقات في أعنان السماء في عز وشموخ. رسالة تلقاها الطالب “ميروش” بآذان صاغية وقلب سليم، فمنح القلب والوقت معا لطلب العلم، حتى توجه مساره الأكاديمي بإجازة في القانون من جامعة القاضي عياض.
وكغيره من أبناء مغرب الهوامش، كان في عداد الخبر الأكيد والقدر المحتوم أن يمر بفترة عطالة إجبارية. لكن “المعطل” ميروش لم يستسلم لاكراهات الواقع وبؤس السياسات العمومية، بل أصر على سلك دروب الكفاح، تماما كما يكافح نخيل بلدته في شموخ قساوة المناخ. فأنشأ لنفسه مشروعا تجاريا صغيرا بمدينة كلميم، أفرد قسما من مردوده لتلبية حاجياته اليومية فيما جعل القسم الباقي وقفا نضاليا يساهم به في تمويل الانشطة النضالية لجمعية أسس رفقة بعض من زملائه بغاية الترافع عن الحق في العيش الكريم.

ومع بزوغ فجر سنة 2008 ستشهد حياة الأستاذ ميروش منعطفا كبيرا، ففي هذه السنة سيلج أبواب مهنة المحاماة من بوابة التمرين في مكاتب أقطاب وفقهاء القانون في هيئة المحامين بأكادير وكلميم والعيون. تنقل بين مختلف المحاكم وعالج العديد من الملفات في مختلف التخصصات، ليصبح بعد ذلك محاميا مستقلا يشهد له زملاءه وموكلوه، على حد سواء، ببلاغة في الأداء وفصاحة في اللسان وقوة في الترافع الحجاجي المسنود برصيد معرفي في القانون تراكم عبر الممارسة والنوم في أحضان أمهات المراجع القانونية.
نشأته بين أشجار نخيل الصحراء السامقة والمتواضعة في نفس الآن، وتجربته النضالية في الجامعة وخارج أسوارها كانا عاملين حاسمين دفعا الأستاذ ميروش إلى امتشاق بذلته السوداء ليترافع بمهنية عالية في أبرز الملفات الحقوقية التي مرت بمحاكم المنطقة، بدء بملفات “طلبة جامعة ابن زهر”، مرورا بملف “نشطاء الحركة الاحتجاجية بفم الحصن” وصولا إلى ملف “معتقلي طلبة تاغجيجت”…
هكذا كان، وما يزال، الأستاذ ميروش. بقي ثابتا في الانتصار لمبادئ وقواعد وأخلاقيات مهنة المحاماة، لم يسجل عليه التاريخ يوما أن كان من اللاهثين وراء أضواء إعلامية ظرفية سرعان ما تخبو، لا سيما في ملفات قضائية ذات امتدادات انتخابوية أو سياسية ضيقة، بل ظل على الدوام منافحا راديكاليا عن مبدأ قرينة البراءة كمبدأ حقوقي سام يرتفع ليكون شرط تحقق المحاكمة العادلة.
الأستاذ ميروش، بقدر ما كان مسكونا بهم الدفاع عن مهنة المحاماة وهيبتها وكرامة مزاوليها، بالقدر نفسه الذي تحول فيه مكتبه إلى قبلة للمظلومين وطالبي الحق بالقانون. مكتب يشهد له الكثير من زملائه أنه منارة استهدى بنورها العديد من المتمرنين. هناك اكتسبوا قواعد وأعراف وأخلاقيات مهنة البذلة السوداء.
وبالموازاة مع اهتماماته بالشؤون المهنية للمحاماة، من خلال شغله منصب الرئيس بالنيابة لاتحاد المحامين بأكادير وكلميم والعيون، لم يتخلى الأستاذ الحسان ميروش عن مواصلة مشوار التحصيل العلمي والتأطير الأكاديمي، حيث يتابع تكوينه في سلك الماستر في العلوم القانونية بجامعة ابن زهر بأكــادير.
