
نون بوست علي الكوري
كلميم وادنون : أزمة صامتة داخل المستشفيات: طبيبة الإنعاش التي تحمل جهة بأكملها على كتفيها!
تكشف صرخة طبيبة الإنعاش الوحيدة بالجهة واقعا صادما يعيشه القطاع الصحي، واقع تختلط فيه المسؤولية الطبية بالاستغاثة الإنسانية، حيث تجد طبيبة واحدة نفسها مطالبة بتأمين حياة آلاف المواطنين وسط خصاص يهدد الأرواح ويشل قدرة المرافق الصحية على العمل بشكل طبيعي.
تبدأ القصة منذ سنة 2023، عندما كان قسم الإنعاش بالمستشفى الجهوي بكلميم يضم طبيبتين: فاطمة الزهراء ورجاء. ومع مغادرة الأولى، أصبحت الثانية في مواجهة مسؤوليات مهنية مضاعفة تتجاوز المستشفى لتصل إلى تغطية أقاليم محرومة من هذه الخدمة الحيوية.
تتحمل الطبيبة رجاء اليوم عبئا استثنائيا، فهي ليست فقط طبيبة الإنعاش الوحيدة في مستشفى كلميم، بل أصبحت المرجع الطبي الأول للحالات الحرجة القادمة من سيدي إفني، التي لا تتوفر على مصلحة للإنعاش، ومن طانطان التي غاب عنها طبيب التخدير والإنعاش مؤخرا.
يتضاعف الضغط عليها مع كل تحويل حالة مستعجلة نحو المستشفى الجهوي، حيث تعمل في وضع دائم من الاستنفار. فبين غرفة العمليات وقسم الإنعاش وطلبات الاستشارة من باقي المستشفيات، تحولت مناوبتها إلى التزام لا ينتهي ليلا أو نهارا.
تؤكد الطبيبة، خلال تواصلنا معها، أن هذا الوضع ليس جديدا ولا مؤقتا، بل بدأ منذ فبراير الماضي عندما أصبحت وحيدة في مواجهة مسؤولية جهوية كاملة. وأوضحت أن ساعات العمل تجاوزت كل الأطر القانونية والقدرة البشرية، في ظل مركب جراحي يشتغل يوميا لساعات طويلة.
تتأثر الطبيبة أيضا بالضغط النفسي الناتج عن الشائعات التي تطال قسم التخدير والإنعاش يوميا. شائعات وصفتها بغير الصحيحة نهائيا، والتي ترى أنها تطلق دون أدنى معرفة بالواقع المهني الصعب الذي تعيشه منذ شهور.
ترفض الطبيبة أن تفهم صرختها كنوع من التملص من المسؤولية، بل تعتبرها واجبا مهنيا وأخلاقيا لتنبيه الرأي العام وإدارة القطاع الصحي إلى حجم الانهيار القائم. فمصير المرضى مرتبط بتوافر الأطر، وليس بجعل طبيبة واحدة تتحمل العبء عن الجميع.
تحاول بين الفينة والأخرى أخذ قسط بسيط من الراحة، لكنه سرعان ما يتبخر أمام رنين هاتف لا يتوقف من مختلف مستشفيات الجهة. وتقول إنها تجد نفسها مضطرة للعودة فورا لمعاينة أي حالة حرجة، حتى في لحظات يفترض أن تكون مخصصة للنوم أو الاستراحة.
يدفع هذا الضغط الهائل البعض لطرح أسئلة غير منطقية حول تواجدها دائمًا داخل المصلحة، وهو ما تعتبره تجاهلا للواقع. وتقول بوضوح: “إذا طلبتم مني الالتزام بالساعات القانونية فقط، فسيغضب الجميع، لأن الواقع يحتاج حضوري الدائم وليس حضوري القانوني”.
يضع هذا الوضع المنظومة الصحية أمام سؤال مركزي: إلى متى سيظل مصير المرضى مرهونا بطبيبة واحدة؟ إن صرختها ليست مجرد شهادة، بل وثيقة إنذار تدعو إلى التوظيف العاجل، والدعم الحقيقي، وإعادة الاعتبار لقسم ينهار بصمت، بينما حياة المواطنين على المحك.















