
محمد سالم الطالبي
و هل يعتقد الرئيس أن الناس ينقصهم الذكاء حتى يستسلموا لنزعة عاطفية حاول جاهدا استدرارها بتبنيه لخطاب ممزوج بالتباكي و “النكير” الذي إن كان ينفع لنفع سابقيه؟
إن مشكلة الكثيرين من السياسيين انهم لا يقرأون التاريخ، وحتى عندما يقرأونه فإما أنهم يأخذون منه ما يصلح لمشروعهم الوصولي او لا يفهمون أصلا ما يقرأون ، لذلك فغالبا ما تنتهي حياتهم السياسية بصدمة مدوية تعيدهم الى حجمهم الحقيقي و تنقلهم في النهاية الى مقبرة التاريخ حتى لا نقول المزبلة التي هي في الحقيقة المكان المناسب لكل هؤلاء المنافقين الذين يعتقدون انهم قادرين على خداع الناس.
و لعله من المفيد ان نذكر الرئيس بشيء من التاريخ كي يفهم ان الناس، على عكس ما يتوهم، على درجة كبيرة من الذكاء، فقد حدث ان تم عزل الرئيس السابق قبل عشر سنوات من الان ، و نحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، و اختار الناس الحياد الايجابي في رسالة عميقة تحمل ما تحمله من معاني الوعي تاركين الشارع الفارغ يعبر بالنيابة عنهم أن الارادة السياسية يصنعها الناس في الزمن المناسب وفي المكان المناسب و في اللحظة التاريخية التي نتوقعها الاقل. علما انهم هم انفسهم من كانوا يخرجون بالألاف استجابة للسكرتارية في تحد للتهديد عندما يكون النداء نابعا من القلب و من العقل و من اجل إحقاق الحق و تنفيذ العدالة و الانصاف.
ان الواقع الذي لا يرتفع هو ان من يحق له القول “مارينا والو” ليس الرئيس و من يقف وراءه من المتباكين على رؤوسهم التي اينعت وحان قطافها، وانما المواطنون الذين لم يروا شيئا يذكر من وعوده الكاذبة، أو من غيره من المخادعين و المرضى نفسيا ممن يتذكرون المنجزات فقط حينما تنسب إليهم و تصبغ بلونهم الحزبي، اما في اللحظة التي يتهدد وجودهم السياسي فيضان الانتخابات العارم فانهم يصابون بعمى الالوان مفضلين الانخراط في لعبة الدموع و المظلومية لعلهم يجدون في عز أزمتهم طوقا للإنقاذ من المسؤولية في خلط الاوراق و تعكير المياه السياسية المحلية و الاقليمية و الجهوية.
ان المشكلة السياسية الوحيدة التي تقض واقعيا مضاجع الناس لا علاقة لها نهائيا بحبوب الهلوسة المؤدلِجة، بكسر اللام، و التي يحاول البعض تقديمها على طبق انتخابي من ذهب املا في البقاء على حياة اديولوجيا، او الابقاء على الواقع نفسه و على الاشخاص المقربين اليهم بإحسان، وذلك سواء من خلال ثني الناس عن المبادرة الجماعية الى تغيير الواقع بدءا من المشاركة في كنس العتبات اولا، أو تشتيت انتباههم بدفعهم الى النظر بعيدا عن مربع العمليات الانتخابية التي يتلهى في مساحتها الواسعة هؤلاء المراهقون سياسيا، وهو ما ثبت منطقيا انه تواطؤ يطيل في عمر الفساد و الافساد، و خدمة سياسية بعد البيع، بالإضافة الى كونه فراغ ان لم يتم ملؤه في أقرب وقت ، فسيستحيل لا محالة مجالا خصبا يغذي بسخاء متكرر هذه البكتيريات الانتخابية الفاشلة و الفاقدة لشيء تتوهم انها تستطيع أن تعطيه محليا و اقليميا و جهويا.
كنت سأحترم الرئيس كثيرا لو انه تواضع قليلا و اعترف بعجزه عن تنزيل ما وعد به من وعود و انه اقرارا بذنبه سيغادر سفينة السياسة التي لم يستطع قيادتها صوب مرفأ التنمية الموعودة و المفقودة، الا ان المشكلة انه بدأ في اجترار الخطاب نفسه الذي لم يعد ينطل على أحد و طفق يتباكى على وضع وجد فيه نفسه فاشلا عن تغييره و تحقيق ما وعد به حينما ادعى مع بداية مشواره الانتخابي انه خلال سنة سيكون من الصعب علينا التعرف على سيدي افني، و ها هي الايام، سيادة الرئيس، تحكم بيننا و تعرفنا من دون لبس على حقيقتك و حقيقة كل الوجوه التي طالما اختفت وراء اقنعة الخداع.
أنت الذي لم تستطع حتى الترافع بشراسة من اجل “الباركي” امام عامل الاقليم، و من يدري لربما كنت اقنعته بجدوى الحفاظ على فضاء و تاريخ يجب تثمينه لا تدميره، ولربما كان تسلح هو الاخر بدفاعك المنطقي عن حقيقة ما تدعونه في مجلسكم “مشروع ترميم”، هذا ان كان يستجيب اصلا لمواصفات وشروط الترميم التي يفترض أن تأخذ بعين الاعتبار ميزة وقيمة المكان الفنية و التاريخية، ومن اجل ذلك فالحاجة ضرورية بالطبع الى متخصصين قادرين على اعادة رسم المعالم الاصلية لمكان تاريخي ما، و ليس مجرد التعاقد مع أي “طاشرون” تخصص على مدى مساره المهني في بناء صناديق اسمنتية فارغة المحتوى فنيا و معماريا