نون بوست علي الكوري
لم يكن أحد يتصور أن قرارا تقنيا بسيطا سيضع الحكومة في قلب عاصفة سياسية واجتماعية بهذا الحجم. الحديث هنا عن مسطرة جديدة تقضي باعتبار أي دراجة نارية تتجاوز سرعتها 58 كيلومترا في الساعة “معدلة” وتخضع للحجز. خطوة أثارت غضبا واسعا، سرعان ما تحولت إلى ترند وطني.
بمجرد الإعلان عن القرار، انفجر النقاش على منصات التواصل الاجتماعي، وارتفعت أصوات غاضبة من مختلف الشرائح، معتبرة أن الحكومة تستهدف فئة واسعة من الشباب وذوي الدخل المحدود، بدل التركيز على الملفات الحقيقية التي تؤرق الشارع.
وجد وزير النقل عبد الصمد قيوح نفسه في موقع دفاعي، يحاول تقديم تبريرات تقنية لا تقنع أحدا، بينما توسعت رقعة الانتقادات، لتتحول القضية من شأن إداري إلى نقاش عمومي حول منطق التدبير الحكومي برمته.
التدخل المفاجئ لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي طالب بوقف الحملة وتأجيلها، عكس حالة ارتباك واضحة. وهو ما جعل الكثيرين يتساءلون: هل كان القرار جاهزا للتنفيذ فعلا؟ أم أننا أمام حملة أطلقت قبل أوانها دون دراسة كافية لتداعياتها؟
هذا التراجع السريع فتح الباب أمام تساؤلات : إذا كانت الحكومة تعلن أن السلامة الطرقية أولوية، فكيف نفسر ترددها في المضي في إجراء تقول إنه قانوني وضروري؟ وهل يمكن لحملة لم تصمد سوى ساعات أن تكون دليلا على جدية الإصلاح؟
الأمر يزداد حدة بالنظر إلى تصاعد الحوادث الطرقية في المغرب خلال السنوات الأخيرة. الأرقام الرسمية تكشف عن خسائر بشرية ومادية مقلقة، وهو ما يجعل من الغرابة أن تُدار ملفات السلامة بهذا القدر من الارتجال والتراجع تحت الضغط.
إن ما حدث يكشف خللا جوهريا في طريقة اشتغال الحكومة: قرارات تقنية تنزل من فوق دون حوار، ثم تكتشف السلطة التنفيذية لاحقا أنها صعبة التطبيق، فتتراجع بشكل مرتبك. النتيجة: فقدان الثقة وزيادة الفجوة بين الدولة والمجتمع.
“دراجة أخنوش” إذن لم تعد مجرد قصة عن سرعة وضبط، بل تحولت إلى عنوان رمزي على أزمة أعمق: حكومة تتبنى شعارات الإصلاح والصرامة، لكنها تفشل في أول اختبار أمام غضب الشارع. فما قيمة القرارات إذا كانت تنهار في الساعات الأولى من تطبيقها؟
ويبقى السؤال الجوهري: هل نتحدث عن حملة تقنية وضرورية أطلقت في وقت خاطئ، أم أننا أمام أسلوب حكومي يكرر نفس الأخطاء، حيث تصاغ القرارات في المكاتب المغلقة، ثم تسحب على عجل أمام أول موجة انتقاد؟ الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد مصداقية الحكومة في ملفات السلامة الطرقية مستقبلا.