
محمد سالم الطالبي
اذا كانت الازمات هي الاوقات الحاسمة و الحازمة التي تميز الخبيث من الطيب، و المؤمنين بقضية ما من المنافقين، اذ يطفو على السطح المعدن الحقيقي لكل انسان يدب على هذه الارض، فأزمة كورونا جاءت لتكشف عن “بلية” المجلس البلدي، المنغمس في “التشمكير” السياسي نافخا في “ميكات” الدعم بالمناسبة ، لدرجة انه صار غير واع بواقع التدبير المأساوي الذي لا رؤية له ولا بوصلة تقوده الى شاطئ التنمية.
و من بين عشرات “الميكات” التي وضعت في قاعة السينما امام الكاميرا عنوة، وقف الرئيس الى جانب بعض “مريديه” حتى يظهر امام الناس بصفته خادم المدينة و المنخرط في الاستجابة لحاجيات السكان كتعبير منه عن اخلاصه و حبه في زمن كورونا، في حملة انتخابية سابقة لاوانها. غير أن الواقع لا يرتفع “بالتبويقة” التي يستمتع بها الرئيس هذه الايام ظنا منه انه يحسن عملا. والحال ان مبادرات شبابية لا مصلحة سياسية من ورائها هي الاثقل في ميزان العمل الاجتماعي و الخيري، كمبادرة الشاب الذي انتشل في حي تمحروشت عجوزا من قاع النسيان، لنكشف في لحظة تضامن حقيقي غير مسيس عن وجود ازمة قيم ليس الواقع السياسي في النهاية سوى احد نتائجها الكارثية..
ومن سخرية القدر ان “ميكات” الدعم جمعت في قاعة سينما افنيدا حيث كانت تعرض افلام لممثلي عالميين، قبل ان تغلق ابواب الفن لتفتح ابواب العفن السياسي مشرعة امام ممثلين على السكان لا خيال لهم ولا هم يحزنون، كل ما في جعبتهم لا يتعدى قدراتهم الفائقة في “التشمكير” السياسي متوقعين خداع الرأي العام و استمالته.
والمضحك المبكي في القصة هو ان “الفقيه اللي تسنينا بركتو دخل الجامع ببلغتو”، فالمعارضة منتشية هي الاخرى “بالمؤثرات الخاصة” التي خلقها الرئيس، لم ترد أن تحرم نفسها على ما يبدو من المشاركة في “السينما”، لتغادر موقع الرقابة و المحاسبة والاقتراح، و توقع على رسالة موجهة للرئيس معبرة فيها عن شكرها وامتنانها للمجهودات التي يبذلها، حسب تعبير المستشارين، الذين نوهوا بجهوده في خدمة الصالح العام، هذا دون أن ينسوا بالطبع أن ينقلوا اليه بالنيابة عن الساكنة، حسب تعبيرهم دائما، شكر الساكنة وامتنانها للمجهودات الجبارة في هذا الاطار. وكما لو ان هذا كله لم يكن كافيا فقد التمسوا منه الوقوف شخصيا على توزيع المساعدات في رسالة ضمنية يدعونه فيها ببساطة الى الظهور امام الناس بمظهر البطل المغوار في زمن الازمة، وهو ما يعني بشكل واضح وفاضح أن المعارضة ” لم تعد معنية بالكشف عن خروقات الرئيس بقدر ما اصبحت تبحث عن أي فرصة حقيقية “تبلاصي فيها الكواري للرايس باش يماركي البيوت على خاطرو”.
شخصيا اتفق مع المعارضة في قضية الخدمة هذه، فرئيسهم ” خدم” بالفعل المدينة بكاملها لدرجة أن مصالحه الخاصة كانت دائما تتصدر اهتماماته على حساب مصلحة المدينة، فقد سبق لمرشح حزب “اركانة” في انتخابات الغرف المهنية لعام 2009 أن تلقى رسالة المدير الاقليمي للتجهيز والنقل الموجهة اليه كان موضوعها الترامي على الملك العمومي البحري بشاطئ سيدي افني، التي يترأس بلديتها اليوم، والتي اتهمه فيها صراحة باستغلال الملك العمومي والترامي عليه، مما قد يسبب في تلوث البيئة وتغيير معالم الملك، حسب نص الرسالة. ولم يفت المدير تهديد المعني بالآمر، الذي يستغل والحالة هذه نفوذه قبل أي شيء اخر، باتخاذ الاجراءات القانونية في حقه في حالة عدم الايقاف الفوري للأشغال في اجل لا يتعدى 15 يوما من تاريخ التوصل بالرسالة المشار اليه اعلاه. وهذا ليس سوى غيض من فيض.
عندما تحدثت في المقال السابق عن ضرورة البحث عن كفاءات كبديل حضاري لهذه المتاهة السياسية التي نئن تحت وطأتها، فلان الواقع اثبت بما لا يدع مجال للشك ان “بلية” الترشح للانتخابات منتشرة بشكل خطير في صفوف الكثير من ” الشماكرية” السياسيين، بحيث أن كل من هب ودب يرى في “السنطيحة” مرجعيته الوحيدة للترشح للانتخابات من أجل تدمير الشأن العام، والنتيجة هو هذا الفراغ الاقتراحي الذي لم يعد يخف على احد عدا على المتخندقين في ثكنات حزبية ليس في صالحهم البتة أن يكون هناك رأي اخر، إذ يستشعرون في ضوئه الكاشف خطر الموت عند كل معركة فكرية واقتراحية على هذا الزمن الرديء الذي زادته السياسة الرديئة رداءة لا قبل لنا بها.
وهكذا عوض ان يأتينا منتخبون قادرون على ابتكار حلول تغير الواقع مستندين الى كفاءاتهم و قدراتهم في استنبات افكار مبدعة في مجال التفكير قبل التسيير، نجد انفسنا امام حاملين لمشاكل اجتماعية ونفسية لا كفاءة ولا شهادة لهم تذكر سوى شهادتهم على الزور و تمرسهم على الهروب من الواقع، ولجوئهم تبعا لذلك الى “تبويق” الرأي العام بشعارات من قبيل مخدر المؤامرة التي تستهدفهم في كل مرة يحتج الشعب فيها على رداءة ادائهم ووجودهم غير المفيد.
إن الواجب الوطني في سوء الاحوال هذه يقتضي تدخلا حقيقيا وفعالا لوقف هذا النزيف قبل ان تنتشر هذه “البلية” و تتحول الى وباء سياسي لا ينفع معه علاج.