
بقـــلــم عـلــي الـــكـــوري
عرفت مدينة بويزكارن في الآونة الأخيرة حركية غير مسبوقة، تزامنت مع اقتراب نهاية الولاية الانتخابية. فبعد سنوات من الجمود والتأجيل، طرحت فجأة مشاريع تأهيل حضري بملايين الدراهم، إضافة إلى تحركات سياسية كثيفة واهتمام متزايد من بعض البرلمانيين. هذا التزامن، وإن كان مبشرا، يفرض قراءة متأنية للسياق الزمني والدوافع الحقيقية وراء هذه الدينامية المفاجئة.
البرنامج الاستعجالي الذي تتجاوز كلفته 10 ملايير سنتيم يتضمن إعادة تأهيل الشوارع، الإنارة، الصرف الصحي، فضاءات عمومية، ومسابح، وهي كلها أوراش طالما انتظرتها الساكنة. لكن طرحها في نهاية الولاية يثير سؤال التوقيت: لماذا لم تنطلق هذه الأوراش في السنوات الماضية؟ وهل الأمر مرتبط فعلا بإرادة تنموية أم بحسابات انتخابية محضة؟ حين تتحرك المشاريع فقط عندما تقترب ساعة الحصاد السياسي، يُخشى أن تتحول التنمية إلى أداة للدعاية بدل أن تكون فعلا مؤسسا.
المفارقة أن هذه المشاريع، رغم أهميتها، لم ترفق بحوار حقيقي مع الساكنة، ولا بتقارير تقييم أو تشخيص علني للأولويات المحلية. كما أن الزيارات البرلمانية والترافع المفاجئ حول بويزكارن، بعد صمت طويل، يعكس واقعًا نعرفه جيدًا: بعض المناطق لا تستحضر إلا عندما يُشتد الصراع على الأصوات. ومن هنا تبرز الحاجة إلى قطيعة حقيقية مع منطق الاستغلال الظرفي للمجالات الترابية.
ما يحدث اليوم ببويزكارن ليس انطلاقة تنموية خالصة، بل هو مزيج من استدراك متأخر لسنوات من الإهمال واستثمار انتخابي في لحظة دقيقة. المشاريع المطروحة مطلوبة وضرورية، لكنها جاءت متأخرة، وبلا رؤية تضمن استدامتها. أما الزخم السياسي، فليس سوى محاولة لتلميع الأداء قبل المحاسبة الشعبية. على أرض الواقع، ستبقى الساكنة هي الحكم، وستكشف الشهور القادمة إن كانت هذه الدينامية لحظة عابرة، أم بداية مسار جديد.
هذه الدينامية المفاجئة لم تقتصر فقط على إطلاق المشاريع، بل رافقها أيضًا تحرك سياسي غير معتاد في المدينة، تجلى في تنظيم لقاءات، ومبادرات تواصلية من طرف مختلف الفاعلين سياسين . بعض هذه التحركات أعاد إلى الواجهة وجوها غابت طويلا عن الساحة، بينما ظهرت أسماء جديدة تحاول استثمار اللحظة لإثبات الحضور في مشهد سياسي بدأ يستعيد نشاطه بعد سنوات من الخفوت.
وبين من يرى في هذا الحراك مؤشرا إيجابيًا على عودة الاهتمام بالشأن المحلي، ومن يعتبره مجرد تفاعل ظرفي له علاقة بترتيبات ما قبل الانتخابات، تبقى المدينة في حاجة إلى مقاربة شاملة، لا تختزل في برامج استعجالية أو حملات موسمية. فبويزكارن تستحق مسارا تنمويا مستقرا ومستداما، يعيد الاعتبار للمدينة خارج الحسابات السياسية الظرفية.