
محمد سالم الطالبي
يتجدد اللقاء كل سنة في 30 يونيو مع ذكرى استقلال سيدي افني وعودته الى الوطن الام، بعد كفاح مرير ضد المستعمر الاسباني، حيث شكلت انتفاضة ايت باعمران احدى الملاحم التي زينت تاريخ المقاومة بالمغرب، مثلما تعتبر مرجعا تاريخيا و مناسبة تستدعي استلهام الدروس و العبر و المعاني الخالدة ، و ليس ما جرت عليه العادة طيلة عقود خلت. أشياء تحققت وأخرى كثيرة يجب تغييرها.
والواقع ان هذه الذكرى تعرضت الى حيف كبير، من جهة من الدولة، اذ ظلت طيلة عقود ماضية مجرد مناسبة عابرة تلقى فيها كلمات من كثرة تكرارها اصابت الناس بالملل، و افقدت اللحظة التاريخية معناها، و من جهة ثانية عندما استحالت منتوجا سياسيا تلوكه السنة كل وصولي اراد ان يصل الى السلطة، بصفر فكرة، على ظهر جثث الشهداء الذين لابد وانهم يتبرأون من قبورهم، وهو الاحياء، من هؤلاء السماسرة عديمي الضمير و المسؤولية.
وهكذا تطاول كل من ليس لديه شغل يقوم به على المشترك، أي الهوية بمختلف روافدها، التي لا يحق لأي كان الحديث باسمها، و داسوا بأرجلهم التي لم تتعلم يوما المشي على اشواك التحديات دروسا تاريخية عميقة لم يفقهوا منها ولا فيها شيئا، كل ما في جعبتهم لا يتعدى مرور اللئام امام تضحيات جسام و معارك اختلطت فيها دماء القبائل من كل حدب وصوب ، و لسان حالهم يحاول لي عنق الحقيقة التي تأبى الخضوع لنزواتهم الخسيسة، فزرعوا الفتن وانتحلوا صفة شيوخ قبائل كي يحددون هوية من هو باعمراني و من هو افناوي و من هو براني، في جهل بالتاريخ و الجغرافية و تنكروا للوطنية الحقيقية التي تسمو على كل الانتماءات. فهؤلاء هم الخونة بلا منازع، اما من يعاني في صمت تحت خيمة التشرد و غسل الدماغ في تندوف فهم في النهاية ضحايا لا متهمين.
شيء مهم يجب ان يعرفه المواطن اليوم هو ان اغلب الذين يثرثرون حول المعارك التاريخية بشكل عام ، بما فيها احداث السبت الاسود وما بعدها، لم يكن لهم فيها سوى المتابعة والمشاهدة عن بعد. و مصادفة صاروا اليوم “مفكرين” يعيدون قراءة التاريخ حسب مقاس حساباتهم السياسية مشيرين بأصبع الاتهام الى كون الجهة ” عاوتاني” هي المسؤولة عما نحن عليه من اقصاء وتهميش، دافعهم الاساس ليس سوى تكريس نفس قواعد اللعبة التي تمخض عنها هؤلاء المنتخبون المسؤولون وحدهم، لا أحد غيرهم، عن الازمة التنموية و ما تراكمه من مآزق اجتماعية و سياسية تتفاقم يوما بعد اخر.
وكل هؤلاء الذين وصلوا الى السلطة و من يضرب لهم الطر من وراء حجاب لم يطلقوا العنان في لحظة تاريخية هرمنا من اجلها لشجاعة مفقودة اصلا، وانما اطلقوا سيقانهم ل”الريح”، وانتظروا انجلاء الغبار للسطو على الفرصة الذهبية كي يعودوا من جديد كأبطال الى منبر الشفوي. ولكي تنجح مهمتهم المستحيلة هذه فهم يلجأون اليوم كما الامس الى عادة اختزال المشكلة، و تعويم قضايا كبرى لإغراقها سياسيا حتى تفقد معناها، إنه الوضع المريح الذي يسمح لهم في النهاية بتناول الكلمة من موقع متقدم، مادام انهم تفادوا في نظرهم “قميش” الحقيقة بعد أن اعتقدوا واهمين بانهم افلحوا في نزع أظافرها الحادة.
هذه الاستراتيجية/ المشكلة لم تدع قضية من قضايا الهوية او المشترك بشكل عام الا و استهدفتها بسلاح السياسة ، الشيء الذي خلف الى اليوم اضرارا بالغة وخسائر فادحة كان لها بالغ الاثر السلبي على فرص انطلاق القطار التنموي الذي لا يحتاج لهذه المزايدات الفارغة بقدر ما يحتاج الى كفاءة و برنامج واضح وملموس لتغيير احوال الناس و تحسين ظروف و بيئة عيشهم لا اقل و لا اكثر.
وحينما نتابع اليوم بغصة في الحلق احوالنا السياسية التي لم تعرف تحسنا يذكر بسبب تافهين يتحملون مسؤولية تدبير الشأن العام، ومع ذلك ينبري بعض المخدوعين لإلقاء اللائمة على موقع الاقليم في الجهة الجديدة، و تحريف النقاش عن مساره الصحيح المتمثل في غياب العقل و الكفاءة عن الممارسة السياسية، وتغطية هذا النقص كله بأوراق لعب لا علاقة لها مع التدبير و التسيير من قبيل ” تقبليت” احيانا، او التخفي وراء الدين احيانا اخرى ، فيما يبدو تامرا واضحا و اقحاما غير مشروع لقضايا تسمو على التنافس الفكري المطلوب في سياق مدني بالأساس، فاني شخصيا اتشاءم من مستقبل التغيير في ضوء او بالأحرى في ظلمة هذه المعطيات، وارى انه لب المشكلة السياسية التي لا تحتاج في الحقيقة سوى الى شجاعة ، قبل أي شيء اخر، لإدراك ان الذات هي ما يعيق الوصول الى الحلول الممكنة في السياسة.
ولمعرفة عمق المشكلة يكفي النظر الى لعبة “حابا” التي يتلاهى بها رئيس المجلس الاقليمي الحالي و السابق هذه الايام، و قبل ذلك الى مداخلة رئيس المجلس البلدي خلال ندوة لها علاقة بموضوع التنمية في الجهة، وجد بدوره في التباكي خلاصه من المحاسبة و برنامجه المرحلي والمستقبلي للظهور بمظهر المدافع الشرس عن فكرة التهميش والاقصاء مقتفيا في ذلك اثر زمن السيبة و ديكتاتورية الشارع، التي كانت السبب المباشر بالمناسبة في وصول كل هؤلاء الى حيث هم الان ، عندما كان الاحتجاج والابتزاز من داخل موقع الاقتراح في البلدية، النقطة الوحيدة والفريدة في جدول الاعمال.