سنوات عجاف مرت بها بلدة الوطية المنسية (اقليم طانطان) كانت كافية لتجعل منها أرضا جرداء قاحلة، تستنجد بأهلها الذين خانوا وعود أجدادهم، وتركوا إرث أسلافهم، فأضاعوا كنزهم الثمين.
الزراعة المستدامة في الوطية بين الأمس و اليوم:
الزراعة المستدامة نظرية في التنمية الاقتصادية، تجعل الإنتاج الطبيعي منطلقها وغايتها، وتعمل على خلق بيئة تُزرع فيها النباتات بشكل متراص ومتناغم، يمنع فيها استخدام المواد الكيماوية المصنعة بشتى أنوإعها؛ هي زراعة كانت حاضرة في قلب مدينة الوطية في الزمن الغابر المزهر، شهدت فيه المنطقة إنتاجا زراعيا وفيرا لامثيل له في مدن الجنوب، زرإعة مستدامة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، شملت أنواعا عديدة من الزراعات كالقمح والذرة و الشعير، وشتى أنواع الخضـروات والفواكه،إلا أنها ومع توالي السنين بدأت الزراعة تنمحـي شيئا فشيئا إلى أن اندثرت وقلت، بل ورحلت وإلى أن حطت رحالها بضيعة صغيرة محادية لمقبرة بجانب البحر.
على مشارف البحر، حطت الضيعة الصغيرة رحالها، هروبا من شبح الجفاف و غدر الإنسان
شهادة قرن:
تحكي الضيعة الصغيرة بلسان صاحبها السيد “عبد الله الشناوي” قصة تحمل في طياتها معاني التحمل والصبر التي تظهر جليا في تحدي العيقات والإكراهات التي واجهت الفلاحة في الوطية منذ الزمن الغابر. دهر شهد وقائع أنارته و أحيته و أعطته دفئا وخضرة ارتسمت في بقع صغيرة من المدينة الساحلية،لتندثر ووقتنا الراهن. وبتحسر وتأسف تحل محلها القحولة والجفاف.
بمحيا حزين يحكي صاحب الضيعة عن الجنة والنعيم والخلد الذي كانت فيه الوطية آنذاك قائلا: “كولشي كانت نازلة باراكتو”، و ما كانت تنتجه من منتوجات فلاحية من قمح وذرة وشعير ويقطين التي لا تعود إلا بالفضل والخير على أهل المدينة الذين لم يحسنوا التعامل مع هذه الهبة الربانية؛ حيث أنها لم تكن تحتاج إلا لقطرات من الغيث لتنعشها، وقليلا من العناية و الرعاية لتزهر فتنضج ثمارها. بيد أنهم قابلوها بالإهمال ولم يجعلوها مكسبا لهم، بل جعلوا البحر مأكلهم ومغنهم الرئيس، مما إنعكس سلبا على النعيم المزهر، فضلا عن لامبالاة الجيل الحالي الذي لا يرغب إلا فيما هو جاهز وما لا يحتاج جهدا كبيرا.
وصية الأجداد جعلت من السيد عبد الله الشناوي يرعى البقعة الصغيرة بحرص و عناية، حيث يأتي كل صباح ممتطيا دراجته الهوائية، يصارع الرياح العتية، والصخور الكببرة، لِيُعَبِّر عن إمتنناه و إخلاصه لسلفه الصالح. تفاصيل صغيرة تعبر عن الحب والمودة الخالصة للأرض المعطاء.
الحب و الإخلاص، والعطاء المتبادل في أجمل صورته
التحدي الكببر:
إن الضيعة الصغيرة التي تحمل بين أحضانها أنواعا عديدة من النباتات و المزروعات الطبيعية الخالية من مختلف الأسمدة المصنعة تقاوم هجران الناس لها و كذا قساوة المناخ الصحراوي الذي أنهك تربتها و أضعف عطاءها، فرغم تعرضها لجملة من التحديات، فهي مازالت تقف صامدة وعلى محياها علامات التحدي، تشق الطريق بمعية صاحبها، تسانده و يساندها. تغلبت على طبيعة التربة الرملية، وواجهت رطوبة البحر بخضرتها الدإئمة التي رسمت لوحة جميلة في قلبها الدافئ، الذي مازال ينبض نبضات التحدي معلنة الإصرإر الكبير و المثال الحي على الرغبة في البقاء و مقاومة كل الإكرإهات و المصاعب.
شوك الصبار و خضرة اللفت دليلان على صمود الأرض المعطاء
الزراعة المستدامة رهان الجيل القادم:
لكونها تشكل إحدى الحلول لمعضلة الغذاء في بلدة الوطية، بات من الضروري إحداث مشاريع في ميدان الزرإعة الصحراوية، عبر استصلاح الأراضي والحفاظ على جودة تربتها من خلال حرث الأرض بشكل دوري، وري مزروعاتها، وكذا القيام ببعض الحملات التوعوية و التحسيسية من لدن الجهات المختصة بهذه البلدة، بغية حث الساكنة على الزرإعة المستدامة، وحسن إدارة مصادر المياه وترشيد استهلاكها، و استثمار المياه الجوفية، التي ستعيد إحياء الزرإعة من جديد. ومراعاة للتغيرات المناخية، وجب تنظيم و تقنين عملية زرإعة المنتوجات؛ كل حسب نوعه و فصله المناسب.
كل هذه الإجراءات ستساهم بشكل جلي في جعل الزرإعة تستعيد مكانتها الطبيعية على رأس الأنشطة الاقتصادية، محاربين بذلك شبح الجوع، و محققيتن من خلالها اكتفاء ذاتيا، ولم لا فائضا في الإنتاج.
إن الشرط الأساسي في نجاح هذه الخطوة هو تبني الجيل الحالي مشروع الزراعة المستدامة و الاشتغال عليه بشكل جدي و مسؤول. فيا ترى كيف ستصبح الوطية بعد عقود من الزمن؟
إعداد نادي البيئة بثانوية محمد السادس التأهيلية – الوطية – طانطان
عدنان الكناوي، عائشة الهيمص، سلسبيل بجو، أًيوب ادكوفقير، مريم الصالحي، ليلى منوادر – إشراف: حكيم بنقاسم