نون بوست علي الكوري
لا شك أن ملاعب القرب التي يتم إنجازها بجهة كلميم وادنون تندرج ضمن مشاريع مهمة تستهدف الشباب وتعزيز البنيات التحتية الرياضية، إذ تم الإعلان عن إنجاز أكثر من 60 ملعبا موزعة على مختلف أقاليم الجهة، من بينها طانطان وسيدي إفني. غير أن هذا الورش التنموي، على أهميته، يثير العديد من التساؤلات حول الجدوى، والأولويات، واستدامة هذه المشاريع.
ففي إقليم طانطان، تم الانتهاء من خمسة ملاعب موزعة بين المدينة وجماعة بن خليل، وهي فضاءات بمعايير حديثة تشمل قاعات اجتماعات ومرافق صحية وتجهيزات رياضية. نفس النموذج يتكرر في سيدي إفني حيث يجري العمل على تشييد 22 ملعبا للقرب، وصلت نسبة إنجاز بعضها إلى 75%. أرقام تبدو واعدة، لكن الملاحظ أن التركيز ظل منصبا على الكم أكثر من الكيف، في غياب رؤية شمولية لإدماج هذه الملاعب ضمن سياسة رياضية متكاملة.
الإشكال الأكبر هو أن هذه الملاعب غالبا ما تتحول بعد سنوات قليلة إلى فضاءات مهجورة أو مرافق متدهورة بسبب غياب الصيانة والتسيير المستدام. فالتجربة السابقة مع بعض “الملاعب المعشوشبة” بالجهة ما زالت ماثلة أمام الأعين: ملاعب تحولت إلى مساحات مهملة بعد أن التهمت الملايين من المال العام. وهذا يطرح السؤال الجوهري: هل نحن بصدد تنمية حقيقية أم مجرد مشاريع إسمنتية لتلميع الحصيلة؟
ثم إن هذه المشاريع، رغم أهميتها للشباب، تظل محدودة الأثر إذا لم ترفق ببرامج موازية للتأطير الرياضي، تكوين المدربين، تنظيم البطولات، وخلق مسارات رياضية احترافية. فالملاعب وحدها لا تكفي لتغيير واقع شباب يعاني من البطالة والتهميش وغياب آفاق واضحة، خصوصا في الأقاليم الجنوبية حيث الاحتقان الاجتماعي يتنامى.
كما أن الأولويات التنموية بالجهة تطرح نفسها بإلحاح: فهل كان الأجدى تخصيص الملايين لملاعب جديدة، في حين ما تزال مستشفيات الجهة تعاني خصاصا حادا، وطرقاتها في حالة مهترئة، والمدارس تفتقر لأبسط التجهيزات؟ التنمية المتوازنة تقتضي ترتيب الأولويات وفق الحاجيات الأساسية للسكان، لا الاكتفاء بمشاريع جزئية قد تعطي صورة براقة دون أثر ملموس على المعيش اليومي.
إن ملاعب القرب قد تشكل قيمة مضافة إن حسن تسييرها واستثمارها في خدمة الشباب، لكنها في المقابل قد تتحول إلى عبء إضافي على ميزانية الجهة إن ظلت حبيسة التصوير والافتتاح الرسمي دون متابعة حقيقية. المطلوب إذن هو الانتقال من منطق “المنجزات الورقية” إلى منطق الفعالية والاستدامة، حتى لا تبقى التنمية في كلميم وادنون مجرد ملاعب محاطة بالأسوار، فارغة من أي روح.