
في السياسة، كما في الروايات، لا تنجلي المفاجآت إلا عند المنعطفات الحاسمة، وها نحن نُوشك أن نبلغ منعطفًا جديدًا، فيه تتقاطع خطوط النار مع ظلال السلام، وتلوح في الأفق همساتُ “صفقة” أخرى، قد تحمل معها بشرى أو خديعة.
ترامب قادم إلى الرياض، يُقال إنه يحمل “مفاجأة كبرى”، وربما تكون المفاجأة إعلان نية بلاده للاعتراف بالدولة الفلسطينية، أو على الأقل فتح الباب لمشروع سياسي جديد يخرج القضية من غرفة الإنعاش، ويضعها – ولو على الورق – في صدارة الاهتمام.
لكن، هل يُصدّق العقل أن ترامب، الذي وقّع بيده على نقل السفارة إلى القدس، ووأد الأونروا في مهدها، وسوّق “صفقة القرن” كأنها فتحٌ جديد، سيعود الآن مرتديًا عباءة “ساعي السلام”؟
ربما نعم.
ليس لأنّ قلبه رقَّ للفلسطينيين، بل لأنّ الطريق إلى التطبيع مع السعودية لا يُعبَّد إلا بتمائم رمزية تُلقى على مائدة رام الله، كي يُقال إن شيئًا من العدالة قد تحقق، وإنّ دم الشهيد لم يُهدر على أرصفة الغياب.
ورقة الدولة… هل تصير راية؟
الدولة الفلسطينية، التي شاخت في أوراق الأمم، قد يُعاد بثّ الحياة فيها، لا لأنّ الظروف نضجت، بل لأنَّ المصالح اقتضت، والتحالفات أملت، والبوصلة تحرّكت من واشنطن إلى الرياض، ثم عرجت على تل أبيب.
في مثل هذا التوقيت، يصبح الاعتراف بالدولة مجرّد ورقة في رزمة البوكر، يُلوّح بها ترامب – أو من خلفه – ليكسب جولة، لا ليُنهي حربًا.
لكن، إذا حدث ذلك، فسيكون زلزالًا في الخطاب السياسي، واهتزازًا في صميم الثوابت القديمة.
المنطقة على حافة سؤال…
هل يُولد الفأل من قلب التواطؤ؟
وهل يُمكن لشعبٍ طُعن مرارًا بخناجر التصريحات، أن يؤمن من جديد بأنّ واشنطن قادرة على حمل السلام لا السلاح؟
ربما، وربما لا.
فكل شيء الآن مرهون بأربعة مفاتيح:
1. الضغط الدولي الذي بات يرى في حل الدولتين صمّام أمانٍ لا بديل له.
2. الموقف العربي، وخاصة السعودي، الذي يستطيع أن يجعل من الاعتراف الأمريكي واقعًا أو مجرّد فرقعة إعلامية، خاصة مع وجود الرئيس الفلسطيني في القمة المزمع عقدها كما رشح من وسائل الإعلام، إذ يمكن أن تكون الدولة هذه المرة “وشوشة على طريقة ترامب”، أو ضجيج غير مفهوم.
3. البيت الفلسطيني، الذي إن لم يُرمّم نفسه سريعًا، سيضيع بين الخطابات.
4. رؤية إسرائيل، التي ما زالت ترى في “الدولة الفلسطينية” كابوسًا لا بد من تأطيره بقيود الأمن والتقسيم
خاتمة… من تحت الرماد تُولد المفاجآت
لسنا في موسم نبوءات، لكنّ السياسة لا تخلو من العجائب.
وقد يكون ترامب – كعادته – يعدّ المسرح لمشهدٍ غير مألوف، يُهدي فيه الفلسطينيين “ورقة دولة” على الورق، ليأخذ من خلفها توقيعًا من الرياض على صفحة التطبيع.
وإن حدث ذلك، سنكون أمام فصل جديد، لا نعرف إن كان يُبشّر بفجر، أم يُنذر بعاصفة.
لكننا نعرف – كما يعرف شعبنا – أن لا شيء يُولد بلا ألم، ولا وعد يُؤمن به قبل أن يُختبر.
فهل تكون هذه المفاجأة بداية مسارٍ مختلف… أم مجرد قناعٍ جديد لأزمة قديمة؟