معركة الاحزاب

7 يونيو 2020
معركة الاحزاب
معركة الاحزاب

محمد سالم الطالبي

ثارت ثائرة البعض اثر تسجيل حالة كورونا في ميناء سيدي افني كما لو ن الامر تعلق بانتشار خطير للفيروس في كل ارجاء الاقليم، والحال انه وبعد اكثر من ثلاثة اشهر على بدء الحجر الصحي ظل الاقليم امنا مطمئنا بفضل سهر السلطات المسؤولة على تنفيذ و احترام الاجراءات. افهم، وان كنت لا اتفهم ، ان بعض الناس، مخافة تصنيفهم، يجدون صعوبة في الاستقلال برايهم و التعبير عن الشكر و الامتنان لمسؤولين في مختلف القطاعات الصحية والامنية وجدوا انفسهم في الصفوف الامامية، دون سابق انظار، في مواجهة فيروس ركع دول عظمى وجعلها تعبئ كل ما لديها من موارد بشرية ومادية من اجل محاصرته و احتوائه، وهذا الخوف يعكس في الحقيقة نقصا حادا في منسوب الثقة بالنفس. و في مثل هذه الازمات و الكوارث التي تهدد الجميع فالأبطال الحقيقيون هم اولئك الدين يؤجلون خلافاتهم، و يلقون بأنفسهم في سفينة المبادرة من اجل المساهمة في الانقاذ و ايصال البلد الى شاطئ الامان بعيدا عن خطر الغرق المحذق. اذكر انه في عام 2014عندما ضربت الفيضانات مدينة سيدي افني تشكلت لجنة محلية عهد لها بدعم الجهود وطنيا و محليا لمعالجة اثارها من قبيل تقديم المساعدة للسكان المحاصرين، وشخصيا لم اجد اي حرج في الانخراط في هذا الفعل الجماعي متسلحا بالمبدأ نفسه دون ان التفت الى تفاهات بعض المتخصصين في إحداث ثقوب في “باركو” انساني يصارع من اجل التغلب على اثار الفيضانات. وقد كان لهذه اللجنة ما لها وما عليها بالطبع ، كما حدث من بعض التجاوزات في ازمتنا كورونا الحالية، فقد كان هناك من حاول استثمار ذلك سياسيا، تماما كما يحدث الان، المهم في الامر ان الحس الانساني و الواجب الوطني كانا يستدعيان في تلك اللحظة المشاركة في عملية الانقاذ، اما المحاسبة فتلك قضية يأتي اوانها، ببساطة عندما يصل “الباركو” الى مرفأ الامان. كانت هذه ازمة كبقية الازمات التي تحل بين الفينة والاخرى، تترك خلفها دروسا وعبر، مثلها مثل احداث السبت الاسود التي تحل ذكراها اليوم، و تعيد بالذاكرة الى مرحلة خلفت ما خلفته من الام وجروح في الوعي الجمعي، غير انها في الان نفسه شكلت محطة تاريخية رسمت معالم الحسم في طريق نضالي كان يطبعه الكثير من اللغط و الغموض، الى ان جاءت هذه الاحداث لتعيد كل واحد الى حجمه الطبيعي، مؤكدة على وجود عنصر مجهول يظهر فجأة ليربك حسابات المنافقين و ليعيد التوازن الى معادلة التدافع كما تقول لغة الكيمياء. لذلك، فأحداث السبت الاسود، التي نددنا بها في حينها ميدانيا واعلاميا وحقوقيا، اي عندما كانت المدينة مطوقة بالكامل بمختلف القوات العمومية، كشفت النقاب عن وجوه جبانة استسلمت قبل ان تنطلق المعركة و تركت الناس يواجهون مصيرهم، بعد أن كانوا يدعونهم للخروج الى الشارع، و يتناوبون على الميكروفون للظهور بمظهر الابطال متلاعبين بعقول الجماهير بمزيج من المزايدات و الشعارات التافهة بغرض الابقاء على “ستاتو كو”، ظنا منهم انه لن يعرف التغيير ابدا. الى أن وقع في الطريق ما لم يكن في الحسبان ليحدث ربك قطيعة نضالية أسقطت ورقة التوت من على سوءة أغلب اعضاء السكرتارية الذين كانت تزدحم بهم مقرات الاحزاب، هذه الاخيرة كانت اختفت من المشهد تباعا متنصلة من بيان 25 ابريل 2005 التأسيسي. فما اكثر المناضلين حين تعدهم / ولكنهم في النائبات قليل. وبالفعل فقد كان مقر حزب الاتحاد الاشتراكي يغص بمختلف الاطارات التي كانت تفرخ بهدف حصد اغلبية تخلق اتجاها عاما يخدم إرادة تيار العسكرتارية الذي كان يوهم نفسه بانه على رأس “دولة” بجنرالاتها و باقي أدواتها التنفيذية، في حين انه كان يدس رأسه في الرمال حيث كان يجب عليه رفع التحدي و الصدح بالموقف دون اكتراث لما يمكن ان يحدث كنتيجة لتهديداته الدونكشوتية. اذكر أن احد المنتمين لهذا التيار دعانا الى حضور مناسبة في اسا عام 2009 . وبالفعل توجهنا الى هناك حيث حللنا ضيوفا على عائلة التامك. كانت المناسبة حفل زفاف. وفي اثناء ذلك حضر علي سالم التامك، زعيم انفصاليي الداخل. شرع التامك يتحدث بارتياح كامل حول قضيته الانفصالية من دون ان يعترض سبيله اي احد، لقد كان جميع اعضاء السكرتارية الحاضرين على قلب رجل واحد فاسحين، في خشوع تام، المجال للتامك الذي حول مناسبة عائلية الى نقاش سياسي مستعرضا عضلاته الانفصالية. وإذا كان من المفروض ان يعبر اعضاء السكرتارية عن موقف في انسجام مع ما يدعونه على الاقل من منبر المزايدات، الا ان شيئا من هذا لم يحدث البتة. أذكر أن من كان يصفونه بالجنرال في عز اعتدادهم بالنفس، قاطع التامك فجأة بقوله ” حنا معاكم!”، متناغما مع وتر الانفصال الذي يضرب عليه التامك، حدث هذا من دون أن يستنكر عليه أعضاء السكرتارية ذلك. اخذت الكلمة بعد ذلك لأبدأ في هدم الاساس الذي كان التامك يحاول عبثا بناء جدوى الانفصال عليه واقامة جمهورية مستقلة عن المغرب. ولم يجد ما يقوله كرد على ما واجهته به سوى كلمات عنصرية ما ازال احتفظ بها في الذاكرة : “انت اللي سمعك كتكلم بحال هكا يقول بانك من “خميس الزمامرة ” ماشي من افني “، بمعنى أن الرجل كان مقتنعا بكون افني امتداد طبيعي لتياره الانفصالي ، التيار الذي اينعت رؤوسه فيما بعد في انتظار قطافها. والواقع أن كل من تهرب من الادلاء بدلوه في ذلك اللقاء الشهير حاول الاختباء،كما هو معروف، وراء مبررات واهية من قبيل أن المناسبة لم تكن تسمح بذلك، والحقيقة أن أغلب أعضاء السكرتارية ممن عرفتهم عن قرب لا يملكون الشجاعة الحقيقية ولا اخلاق الانصاف التي يمكن ان تشفع لهم. ولعل المثير للسخرية هو أن احد الاعضاء البارزين لتيار العسكرتارية، المنشق سلوكيا وفكريا عن السكرتارية المحلية، لم يجد من شيء يعوض به عن الخسائر الفادحة التي الحقتها بعصابتهم سوى التلميح بكوني انفصالي، متناسيا انه هو نفسه صرح بعكس ذلك، وبالضبط خلال الحملة الانتخابية، وبالضبط في مقر الحزب ببولعلام، حين استشهد في زمن السعي وراء الاصوات، بتصريحاتي ضد اطروحة التامك الانفصالية! كما أنه لربما نسي أو تناسى أنه سبق أن اتصل بنفسه بالتامك هاتفيا في استقواء واضح بالانفصاليين من اجل الضغط على رجال الامن، وثنيهم عن القيام بواجب المراقبة تنفيذا لقانون يسري على الجميع ! فبين احداث السبت الاسود و ما تلاها من احداث اخرى لاحقة، لا تقل خطورة، مياه كثيرة مرت تحت الجسر انكشف في طريقها النفاق الواضح و انهار اثرها ما تبقى من مصداقية .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة