
بقلم سمير المحندي
عمل الدكتور الراحل الحسين بولقطيب المستاوي البعمراني كأستاذ جامعي متخصص في التاريخ الوسيط بجامعة أبي شعيب الدكالي بالجديدة ؛ويعد من صفوة الباحثين القلائل الذين بادروا ايجابا بدراسة ظاهرة الأوبئة والجوائح التي – طالما – واظبت على زيارة بلاد المغرب الأقصى باستمرار، وانتشرت عبر حركات العسكر و القوافل التجارية و أنشطة السفن والمرافئ والرحلات …
أسهم الراحل د . الحسين بولقطيب في إصدار مؤلف مهم جدا تحت عنوان :
” جوائح و أوبئة مغرب عهد الموحدين ” من منشورات الزمن المغربية سلسلة قضايا تاريخية، مطبعة النجاح الجديدة 2002، وهو كتاب من الحجم الصغير يقع في 139صفحة ، وينقسم إلى ثلاثة فصول .
يتناول د. الحسين بولقطيب تعريف الجائحة وأسباب حدوث الكوارث حسب تمثلات المغاربة، مستعرضا المنظور الفقهي للظاهرة ( ابن البناء المراكشي ) الذي يتأسس على التفسير الغيبي ، ثم قابله بآخر منطقي خلدوني (ابن خلدون ) الذي عزا الظاهرة إلى التقلبات المناخية و تلوث الهواء وعدم اكتمال الدورة الزراعية…
عرج المؤلف في مبحث آخر على تقديم نماذج وأمثلة من الجوائح التي ضربت المغرب خلال العصر الوسيط – الفترة الموحدية تحديدا –. أما الجوائح الطبيعية (الجفاف – المجاعة) فكانت تزور البلاد فتهتك العباد بمعدل مرة كل خمس سنوات خلال الفترة الممتدة من 534ه إلى 651 ه. وقد أشار إلى الطواعين التي اجتاحت مراكش عام 1175 حيث يموت من ساكنتها مايزيد عن مائة قتيل في اليوم الواحد، ناهيك عن الأمراض المستعصية الواسعة الانتشار، من قبيل الجدري والجذام، بفاس ومراكش والقصر الكبير …
ماهي أشكال تدخل المخزن ؟
أمام عنف الجوائح وشدة انتشارها وفتكها بالعباد، انبرى المخزن – للتخفيف من معاناة الرعايا – إلى بناء المرستان الكبير (المستشفى) بمراكش لاستقبال المرضى للاستشفاء ، وسارع إلى تقديم إعانات للفئات والجهات المتضررة ، كما عمد في كثير من الأحيان إلى تطبيق سياسة العزل ( الحجر الصحي ) في حق الأفراد و المناطق ، تفاديا لتنقل أو نقل العدوى بعيدا عن مجرى الريح .
وجدير بالذكر ما شب من صراع محتدم ومضن بين قطبين متنافرين يدعيان قدرتهما على مواجهة المرض والشفاء منه ؛
أما الأول فقد تزعمه الفقهاء والأولياء ( أبي يعزا) معتبرين أن أزمة الجوائح عقاب سماوي ، لا يمكن التداوي أو الاحتراز منه إلا عبر ترويج ثقافة التبرك و تعليق الحروز و التمائم والنفث … ولهم القدرة الربانية على مداواة جميع الأمراض العادية و المستعصية كذلك .
بالمقابل عمل الأطباء، وهم موظفون يتقاضون رواتبهم من بين الخزينة، على إعمال المنهج التجريبي بعد التأكد من فرضيات نجاحه على الحيوان (الديكة – النعاج …) قبل الإنسان، وساهموا في تطوير الطب والأدوية والاستشفاء …
لم تكن الجوائح أو الكوارث الطبيعية وحدها التي كانت تفتك بالبشر، ذلك أن الحروب ساهمت بدور وازن في خلخلة البنية الديمغرافيا للبلاد فقد عرف العصر الموحدي بميولاته الحربية من أجل إرغام القبائل على تأدية الضرائب ومضاعفتها تارة، وتأديب العصاة المتمردين تارة أخرى . ولضمان استمرارية شوكة المخزن كان لزاما على خزينة بيت المال أن تكثف من نفقاتها على مؤسسة العسكر دون سواها، مما أضر بباقي القطاعات والشرائح الاجتماعية الأخرى.
الجوائح مصاحبة للمجتمع المغربي ، عكست في كثير من الأحيان جدلية العلاقة بين المخزن والرعايا خلال لحذة ومانية شديدة الخطورة في أفقت تجاوز المحن بما لها وعليها .