وادي الذهب.. ذاكرة وطنية وتجديد العهد

14 أغسطس 2025
وادي الذهب.. ذاكرة وطنية وتجديد العهد
وادي الذهب.. ذاكرة وطنية وتجديد العهد

نون بوست                                   علي الكوري 

 

يستحضر الشعب المغربي، يوم الخميس 14 غشت 2025، الذكرى السادسة والأربعين لاسترجاع إقليم وادي الذهب من الاحتلال الإسباني، في مناسبة وطنية تحمل أكثر من رمزية، إذ تمثل انتصار الإرادة الوطنية على التحديات السياسية والجغرافية، وتذكّرنا بأن الوحدة الترابية ليست مجرد شعارات، بل التزام تاريخي ومسؤولية مستمرة.> مرجع: وزارة الثقافة والشباب والتواصل، الأقاليم الجنوبية: التاريخ والجغرافيا والمجتمع، الرباط، 2020.

في صيف 1979، وبعد انسحاب موريتانيا من الإقليم، استقبل الملك الراحل الحسن الثاني بالقصر الملكي بالرباط وفودًا من علماء وأعيان وشيوخ قبائل وادي الذهب، حيث جددوا البيعة والولاء للمغرب، مؤكدين رفضهم أي مشروع انفصالي. هذه اللحظة لم تكن مجرد مناسبة رمزية، بل كانت تعبيرا عن وحدة الشعب والدولة، وعكسا لتوافق استراتيجي أعطى للمغرب اليد العليا في تثبيت سيادته على كامل الصحراء الجنوبية. وفي اليوم ذاته، رفعت القوات المسلحة الملكية العلم المغربي في الداخلة، إيذانا بانتهاء السيطرة الأجنبية على الإقليم.> مراجع: بوطالب، عبد الهادي، المغرب والحسن الثاني: شهادة من قلب الأحداث، 2006.    الحسن الثاني، ذاكرة ملك، 1993.

وتزامن هذا الحدث مع صدور المرسوم الملكي القاضي بإحداث عمالة إقليم وادي الذهب، ما أضفى على الحدث بعدا مؤسساتيا ورسخ انخراط الإقليم في البنية الإدارية المغربية. إن النظر إلى هذا الإنجاز اليوم يجعلنا ندرك أن استرجاع وادي الذهب لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل امتداد لمسار نضالي طويل شمل جيش التحرير في خمسينيات القرن الماضي، واسترجاع طرفاية سنة 1958، والمسيرة الخضراء سنة 1975، وهي محطات جسّدت قدرة المغرب على دمج الشعب والسلطة في مشروع تاريخي موحد.> مراجع: الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، 15 غشت 1979.     الفيلالي، عبد الكريم، جيش التحرير المغربي: التاريخ والأحداث، الرباط، 1984.      عصيد، أحمد، المسيرة الخضراء واستكمال الوحدة الترابية، منشورات وزارة الثقافة، 2015.

بعد أقل من عام على الاسترجاع، قام الملك الحسن الثاني بزيارة رسمية إلى الداخلة، ترأس خلالها احتفالات عيد العرش وجدد تسلم البيعة من شيوخ القبائل، مؤكدا أن الدفاع عن الصحراء خيار استراتيجي لا رجعة فيه. هذه الزيارة لم تكن مجرد بروتوكول ملكي، بل كانت تأكيدا عمليا على أن السيادة المغربية على الصحراء قضية حياة ووجود، وأن التلاحم بين العرش والشعب عنصر حاسم في صيانة الاستقرار الوطني، وهو درس تاريخي يجب تذكره مع كل ذكرى استرجاع.> مراجع: الأرشيف الملكي، خطبة الداخلة 1980.    الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، مرسوم عطلة 14 غشت، 1981.

عزز هذا الانتصار موقع المغرب دوليا، حيث ساهم في كسب دعم متزايد لموقفه من قضية الصحراء في المحافل الدولية، وهو ما تجسد لاحقا في تبني مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، وافتتاح عدة قنصليات بالعيون والداخلة بين 2019 و2024، ما يمثل خطوة استراتيجية لإبراز السيادة المغربية بطريقة حضارية ودبلوماسية. هذه التطورات تثبت أن الانتصارات الوطنية ليست فقط في ساحات القتال، بل أيضا في قدرة الدولة على فرض خياراتها التاريخية والسياسية بحكمة واستباقية.  > مراجع: وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، مبادرة الحكم الذاتي: الأسس والدعم الدولي، الرباط، 2023.      بيانات وزارة الخارجية حول القنصليات، 2019–2024.

وفي الوقت الراهن، تشهد الأقاليم الجنوبية، وفي مقدمتها وادي الذهب، دينامية تنموية قوية تشمل مشاريع البنية التحتية، ميناء الداخلة الأطلسي، ومحطات الطاقات المتجددة. هذه المشاريع ليست مجرد بنية تحتية، بل استثمار في الإنسان والمجتمع، وتأكيد على أن السيادة الوطنية تقترن دائما بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، لتصبح الأرض جزءا من مشروع مستقبلي متكامل يعزز مكانة المغرب داخليا ودوليا.   > مرجع: الوكالة المغربية للطاقة المستدامة، مشاريع الطاقات المتجددة بالأقاليم الجنوبية، 2024.

كما تحرص الدولة على الحفاظ على الموروث الحساني باعتباره مكونا من الهوية الوطنية، وهو ما يضمن ترسيخ الثقافة المحلية وربط الأجيال الشابة بتاريخها وهويتها. هذه السياسات الثقافية والاجتماعية تعكس فهما عميقا للتراث كعنصر أساسي في الحفاظ على الوحدة الوطنية، وتوضح أن الاستقرار السياسي والاجتماعي لا يمكن فصله عن الهوية الثقافية للشعب.   > مرجع: المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، الهوية الحسانية والبعد الوطني، الرباط، 2019.

وتبقى ذكرى استرجاع وادي الذهب مناسبة سنوية لتجديد العهد على صون الوحدة الوطنية، واستحضار التضحيات التي بذلها المغاربة عبر عقود من الكفاح الوطني. خطاب الحسن الثاني بتاريخ 14 غشت 1984، حين قال: “إن المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها”، يذكرنا بأن السيادة الوطنية مسؤولية مستمرة، وأن كل إنجاز على الأرض يتطلب مواصلة العمل للحفاظ عليه وتعزيزه عبر سياسات تنموية ودبلوماسية مستمرة.    > مرجع: الحسن الثاني، خطاب ذكرى استرجاع وادي الذهب، الرباط، 14 غشت 1984.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة