إن لسيدي افني ربًا يحميها

1 فبراير 2021
إن لسيدي افني ربًا يحميها
محمد أنفلوس

محمد أنفلوس

ان الأدبيات التاريخية التي تستعمل سنة 1956 كمؤشر لاستقلال المغرب لا تملك الكثير كي تقوله عن تاريخ استقلال سيدي افني30 يونيو 1969..فاعتبار سنة 1956 سنة استقلال هو مؤشر مختلّ في نظرنا ،بما أنه يُغفل الحضور الأسباني المستمر الذي أحاط بالمغرب في الشمال والجنوب. بالإضافة إلى ذلك، إن القفز من عام الاستقلال 1956 إلى 1962 سنة اعلان اول دستور مغربي، يلغي ست سنوات حاسمة في وضع أسس الدولة المغربية المعاصرة.

ان حديثنا اليوم عن الذكرى الخمسينية لاستقلال سيدي افني وتشبثنا بضرورة نبش ماحدث  ووضعه في سياقه الوطني العام هو رفض ضمني للذاكرة “الانتقائية”لتاريخ وطني مشترك..

لا يسعنا هذا المقال ان نستفيض في تشريح حفريات ذاكرة لايزال الكثير منها معرضا للنسيان خارج الرواية الرسمية ولكن المقال هو دعوة لطلبة المنطقة وباحثيها الى اكتشاف اغوار ذاكرة لها ماقبلها وكان لها ما بعدها..

الا أننا نملك أن نقول باختصار غير مخل ،ان تاريخ بداية الوجود الإسباني بالمدينة يعود إلى معاهدة “راس الواد” في تطوان سنة 1860، التي بموجبها منح السلطان عبد الرحمن بن هشام المنطقة إلى اسبانيا بعد الهزائم المتتالية للجيوش المغربية ،فصار التواجد الإسباني واقعاً بعد سنة 1934 عبر اتفاقية أمزدوغ التي وقعتها قبائل أيت باعمران مع السلطات الإسبانية.

استغلت اسبانيا تواجدها بالمنطقة كي تدفع بأبناء المدينة إلى المشاركة في الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) التي قُتل فيها العديد منهم في ملف لا زال يشوبه الإهمال، كما بذلت جهودا كبيرة في محاولة طمس هوية المنطقة عبر محاولة تجنيسها وجعلها مستعمرة إسبانية خالدة.

اندلعت انتفاضة الباعمرانيين في 23 نونبر 1957، وساندها جيش التحرير المغربي فكانت من الأسباب التي أدت إلى حله سنة 1960 بعد تصاعد الخلافات بين قيادييه والأحزاب الوطنية والقصر الملكي، لا سيما وأن مشاركته في هذه الانتفاضة، كانت من بين العوامل التي أدت بالجيش الفرنسي إلى الدخول على خط من أجل نجدة الإسبان وما يعرف بعملية ” المكنسة “سنة 1958 التي أصابت جيش التحرير الجنوبي في مقتل.

الغريب والمريب والمحزن والمؤسف أن  ثورة ايت بعمران  كانت ثورة عظيمة،لكنها لم تؤت كل ثمارها بسبب اختلال الاولويات وغياب الرؤية،ما الذي حدث؟ ثار المقاومون على المستعمر الاسباني وطردوه من القرى والجبال ليستوطن بمدينة سيدي افني و يقيم الجمارك على مداخلها ويزودها بمطار و تليفيريك ليؤمن استقلالها البحري والجوي.بنى المدينة على أسس عصرية ،أبدع مستشفى عصريا وملعبا معشوشبا وحديقة حيوان ودور سينما ومسارح وشوارع فسيحة نظيفة واسعة.سلم الاسبان المدينة للمغرب وسلم المقاومون السلاح ودخلوا اللعبة الدبلوماسية التي صاغتها معاهدة المخزن والاسبان، فكافأتهم الدولة بمعاشات زهيدة واوسمة نحاسية صدئة وذكرى يتيمة بدون عطلة مدرسية .

وبقيت سيدي افني جميلة بطابعها المعماري  الإسباني حتى الآن، فقد بناها الاسبان بعد ان كانت خلاء وأسدلوا عليها الطابع الإيبيري ، وساهموا في تطويرها بشكل كبير. وتجرع أبناؤها المفارقة الغريبة بين الاعتناء الإسباني والتجاهل المغربي ، الشئ الذي يؤجج من حين لآخر احتجاجات أغلبها نوستالجيا حزينة وبعضها احتجاجا نبيلا وسط شوارعها .

اشارة مهمة قبل ختم المقال :بعد مرور ثلاثة أسابيع على الحرب كان الملك محمد الخامس رحمه الله  مازال في واشنطن بينما وجه ولي العهد الحسن الثاني رحمه الله  الذي كان يتابع معارك وانتصارات جيش التحرير في الجنوب تحذيرا عبر أمواج الاذاعة يقول فيه(( اذا قرر فرانكو تسليم المغرب الجنوبي الينا فسأتدخل شخصيا لدى قبائل أيت باعمران لانهاء المعارك.)) وأضاف ((أعطونا بهدوء الصحراء حتى نعمل على ارجاع السلم في سيدي ايفني)).

وصل عدد شهداء ثورة ايت باعمران 104 شهيدا حسب روايات متعددة وبلغ عدد القتلى الاسبان  1700 قتيل

رحم الله شهداءنا في هذا اليوم المبارك وألهم احفادهم الهمة العالية والمستقبل المشرق فان لسيدي افني ربا يحميها..

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد أنفلوس
error: www.noonpost.ma