القبيلة وجدلية التغيير في استحقاقات 8 شتنبر 2021

7 سبتمبر 2021
هشام عميد


بقلم: هشام عميد

باحـث فـي قضايا الشباب والمجتمع المدني


إذا كانت القبيلة أداة للدلالة على التجمعات السكانية المنتشرة في بقعة جغرافية، وكيان ذو هوية ثقافية يتداول لغة محددة ونظاما من الرموز والمعاني.
فهي أيضا وجود سياسي ونظاما اقتصادي له استقلاليته الذاتية بحيث تصبح كل قبيلة بمثابة “الوسط السياسي الطبيعي لمجموع الفرق أو الأفخاذ التي تشتمل عليها، ، وشكلا خاصا من أشكال احتلال المجال وتنظيمه أيضا. علاوة على أن كل قبيلة تسعى إلى تأكيد وحدتها على مستوى الاسم والدم، باعتبارها تنحدر من جد واحد.
ويمكن أن تظهر ككتلة واحدة يحركها “الولاء” لأجل تحقيق أهداف متعددة، سياسية منها خاصة. كما يمكنها أن تظهر كوحدة سياسية مستقلة، تفاوض من أجل تحالفاتها وتحل بذلك صراعاتها، أو أنها يمكنها الانتماء إلى مجموعات سياسية أكثر اتساعا، ناتجة عن تنظيم حزبي.
والدليل يتمثل في عدم وجود أية قبيلة مهما كانت درجة عصبيتها وتمسكها بقبليتها، مستقلة بذاتها خاصة في عملية الانتخابات أو الترشحات لمختلف المناصب المحلية والوطنية.
فيعتبر الصراع على السلطة في هذا المستوى في صميم الصراع السياسي القائم بين مختلف التنظيمات السياسية التقليدية أو الحديثة.
إن المشكلة الأساسية عند المواطن ليست في أنه مستغلا ولكن في كونه أيضا مهددا، ولو ضمنيا، من طرف المضاربين السياسيين. فالبحث عن منصب في السلم السلطوي يقابله انشغال للحصول على الثروات من طرف الفاعل السياسي، في مقابل أن يمنح (العائلة والصدقاء والمتعاطفين) الامتيازات. فالبحث عن السلطة في أي مستوى كان، يترجم التعطش إلى القوة وحب التحكم والتملك، وإرادة تلبية المتطلبات الشخصية، ومحاولة مغازلة الشرف، والثروات..
ولأجل الوصول إلى هذه الغاية، تستعمل كل الوسائل بما فيها القبيلة والسلطة والمال والوعود المتناقضة بشكل صارخ، للاستيلاء على السلطة وتكون هذه الوسائل خاضعة لقانون العرض والطلب. في (السوق السياسية).
فالانتخابات، على المستوى المحلي بالخصوص، تصطدم ببنيات ذهنية قبلية وتصرفات تمليها الانتماءات العائلية، تؤثر في عملية “دمقرطة” هذه الانتخابات، وعملية اللعبة السياسية، فلا يمكن بذلك لأفراد قبيلة ما أن يتنصلوا من قبيلتهم وقيمهم التقليدية ليمارسوا الديمقراطية على وجهها الحديث، خاصة إذا سيطرت عليهم فكرة انتمائهم القبلي وترسخت جدورها في ذهنياتهم، أو كان خضوعهم للقبيلة واضحا.
إننا عندما نلاحظ الشكل الذي تأخذه المشاركة السياسية على المستوى المحلي، نستخلص أنها تتم عبر العلاقات القرابية والشخصية، بل وتصبح العلاقات القبلية عنصرا يراهن به في خضم الصراع والتنافس حول السلطة.
وعندما يتحدث “ماكس فيبر” عن السلطة الشخصية فإنه يذكر أنه مهما تكن المزايا في الشخص المعنوي، المسمى بالدولة، والذي يعد المالك الوحيد للسلطة، فإنه يجب النزول مجددا والقبول بإسناد هذه السلطة إلى أفراد، إن هذا الإجراء ليس مجرد إعادة إقرار بالأمر الواقع السابق. لكن النتائج التي تؤدي إليها لا يجب أن تحجب واقع أنه يضع الأشخاص الحقيقيين ومصالحهم وشهواتهم وأعمالهم الشخصية في وسط إشكالية السلطة.
وعلى صعيد آخر، ففي صراع الطبقات المثقفة وغير المثقفة، وعلى المستوى المحلي، غالبا ما يقوم المشرفون على الأحزاب والقائمون على ضبط القوائم الانتخابية، بإقصاء النخب المثقفة بحجج واهية، لأن السياسة القبلية لا تتماشى مع الأفكار التحررية الحديثة والديمقراطية لهؤلاء المثقفين، فيسعون إلى عدم إشراكهم في تسيير أمور البلاد، أو على الأقل لن يسمحوا لهم باحتلال مراتب متقدمة على قوائم المرشحين للانتخابات.
إذن، تتضافر كثير من المميزات والخصائص التي تلعب الدور الهام في عملية الزبونية، وبالتالي التصويت لصالح مرشح بعينه، ويأتي على رأس هذه الخصائص التمتع بالانتماء القبلي والعائلي، فالزعامات التقليدية لا تتعدى في كثير من الأحيان هذين الانتماءين. كما تتعلق الزبونية بحقل آخر وهو الحقل المالي والاقتصادي، حيث أصبحت الزعامة العائلية والانتماء القبلي تبحث عن التحالف مع أصحاب الثروات وملاك القطاع الخاص من مؤسسات اقتصادية صناعية ومن كبار التجار والمقاولين، وذوي الثروات الفلاحية الواسعة. مما أعطى فرصة لظهور الرشوة السياسية، والضغط الاقتصادي الممارس على الناخبين، وكذا مظهر شراء الأصوات من خلال تأمين خدمات شخصية عينية للناخب أو من خلال نظام ما يسمى “المفاتيح الانتخابية” الذين يلتزمون تأمين عدد من الأصوات مقابل مبلغ من المال. فلقد لاحظنا محليا كيف قام عدد من المرشحين بتقديم وعود لأفراد معينين قصد حثهم على العمل على جلب عدد كبير من الأصوات، والتأثير على توجهات الناخبين لصالح هؤلاء المترشحين، أو الوعود التي يقدمونها بقضاء مصالح الناس واحتياجاتهم الاجتماعية والاقتصادية في حالة فوزهم في الانتخابات.
إن امتداد الولاءات العائلية، والقبلية، والجهوية، وانفجارها بشدة أثناء المناسبات السياسية كالانتخابات، هي وعي بالمسؤولية الجهوية، أو القبلية، أو العائلية، وفي المقابل فإنها إهمال عن وعي أو عن غير وعي للانتماء الأشمل والأكثر اتساعا وهو الانتماء إلى الوطن أو الوعي بالوطنية.
وكاستنتاج عام يمكننا القول بأن عمليتي الانتخابات المحلية والجهوية والتشريعية لثامن شتنبر 2021. لن تكن سوى عملية تشكيل وإعادة تشكيل للذهنية التقليدية. فرغم ظهور الكثير من الشخصيات، التي كان لها الحظ الوافر، إلا أنها احتفظت بذهنيتها التقليدية، وكرست انتماءاتها القبلية والعشائرية، في عملية التأثير على الناخبين للوصول إلى مناصب المسؤولية البرلمانية أو المحلية، مؤطرة بقوى اقتصادية وإيديولوجية تكمن وراءها مصالح مختلفة تسهل من عملية استغلال ذوي النفوذ المحلي المتمثل في الجاه والسلطة وفي رأس المال الرمزي.

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد أنفلوس
error: www.noonpost.ma