كلية ابن زهر..أكثر من كلية

20 يوليو 2021
كلية ابن زهر..أكثر من كلية
محمد أنفلوس

محمد أنفلوس

يقول الأديب الألمانى «هاينريش بول» الحاصل على نوبل فى الآداب عام 1972:”لقد علمنى الطريق المؤدى إلى المدرسة، أكثر مما علمتنى المدرسة.”

2

وقف الأستاذ في أول حصة بماستر مهن وتطبيقات الاعلام يتأمل وجوه طلبة الفوج الثامن في صمت؛ رسم هرما على السبورة وقسمه الى ثلاثة طبقات. قال لنا بفرنسيته الأنيقة :” في أسفل الهرم تكون وظيفيا fonctionnel ثم تبدأ في الفهم وتصير اجرائيا opérationnel ثم سكت ملتفتا الى القسم قبل أن يبتسم مردفا :”ولو اجتهدت وحالفك الحظ سترتقي إلى أعلى الهرم وتصبح محترفا professionnel  ثم وضع القلم  جانبا معقبا (وقليلٌ ماهم).

  ظلت الجملة تصاحبني طيلة سنتين أحملها معي وأنا أسافر أسبوعيا من مدينتي إلى مقاعد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير .

كان سفرا مُتعبا لكن تعلمت خلال الثلاث ساعات مدة الطريق الكثير من التأمل فأنا أنتمي لجيل طالما لهج بهذا الدعاء : “اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا.”

3

باعتباره الرجل الذي اكتشف أميركا و«العالم الجديد»، أصبح كريستوفر كولومبس الرحالة الأكثر شهرة في العالم. ما من طفل دخل المدرسة إلا سوف يعرف منذ القراءات الأولى، شيئاً عنه. الذي لم يعرفه كثيرون أنه أمضى عشر سنوات يحاول اقناع ملوك اوروبا بتمويل رحلته .

أبحر ساعياً إلى اكتشاف طريق جديدة إلى الهند ، لكن الرياح حملته إلى أهم اكتشاف في تاريخ الكوكب: القارة التي سيطلق عليها اسم أميركا، تيمناً بالعالم الإيطالي فسبوتشي أميريغو، الذي كان أول من وضع مصطلح «العالم الجديد».

شخصيا أعتقد أن أكبر تطور في رحلة الانسان على هذه الأرض هي رسمه لخريطة على الورق ! فبواسطتها لم يعد يسافر في المجهول، بل عرف كيف يرسم لنفسه خطوطاً متخيلة ما لبثت أن تحولت إلى طرق حقيقية يتبعهامن جاء بعده.

لذلك فإن البريطاني ولز الذي تخيل رحلة الانسان للقمر في كتابه «أول رجلين يهبطان على القمر»،بالنسبة لي ، كان أهم من ارمسترونغ الذي وضع قدمه على القمر، وكذلك عباس بن فرناس ،الشاعر والموسيقي وعالم الحساب،الذي حاول الطيران كان دائما في نظري أهم من صانعي البوينغ والكونكورد؛ لسبب بسيط : أنهما كانا أصحاب الفكرة. هما اللذين وضعا الخريطة.وبهذا فقط نالا مجد وشرف المحاولة الاولى والمغامرة الأولى.

وما زال الإنسان مسافراً.يبحث ويقلب وينقب ويكتشف .وفي كل يوم دهشة كبرى ودهشة أخرى.

 4

لا تعرف في هذه الحياة من أين تأتيك دروسها. لذلك نكرر مدى العمر حكمة طرفة بن العبد، «ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً… ويأتيك بالأخبار من لم تزوّدِ».

عندما جئت لرحاب كلية الاداب والعلوم الانسانية بأكادير كنت عازما على تطوير معرفتي في عالم الاعلام وهذه المرة بلغة موليير.اعتقدت أني سأدرس بالقاعة 56 وأني سأكمل دراستي بعد عامين بدبلوم أنيق وابتسامة واسعة ورضى داخلي كبير الا أن الأيام أبدت لي ما كنت جاهلا.

جاء فيروس كورونا فوجدت نفسي جزءا من رؤية بعيدة واكتشاف ضخم قد لا يفهمه البعض اليوم، كما لم يفهم بحارة كريستوف كولومبوس الى أين يتجهون وكما لم يستوعب معاصرو عباس بن فرناس فكرته الغريبة في الطيران مثل البلابل والحمائم والنسور.

وجدت نفسي عضوا في فريق يبحث ويفكر ويناقش ويحلل ويعيد تركيب فكرة قناة جامعية هي الاولى وطنيا وافريقيا. كانت الفكرة مثل وجود اليابسة خلف بحر الظلمات.كان الأمر يحتاج الى بعد نظر والأهم هو وجود شجاعة “ادارية” تؤمن بالفكرة وتوفر الأسطول والأشرعة وزاد السفر. لم أفكر يوما أني سأجالس عميد الكلية السيد أحمد بلقاضي وأكتشف فيه صفة جديدة غير صرامته وجديته وصمته  الثقيل، لقد كان (رؤيوياً )في كل شيء. يعتبر أن لأي شيء قيمته الكبرى مهما كان صغيراً، لذلك يُتعبك بملاحظاته الدقيقة حول عنوان مقال أو صورة  شاردة أو عبارة زائدة وحتى تفصيلة دقيقة في ربورطاج مصور بإتقان. ربما بسبب هذا البعد في النظر،استطاع أن يحول قاعة صغيرة بالطابق الثاني الى ممر نحو المستقبل .

وربما بسبب هذه الصفة النادرة ، التفت اليه وزير التربية والوطنية والتعليم العالي في زيارته الأولى لاستوديوهات قناة كلية تيفي مخاطبا الوفد المرافق له :”أنا منبهر جدا بما أشاهده ..عليكم  تعميم تجربة هذه القناة الجامعية وسيساعدكم الأستاذ بلقاضي في عملية الارساء”

5

هناك تنبيه مكتوب على بعض مرايا السيارات يقول: ”الأشياء التي تراها في المرآة أقرب مما تبدو عليه“.ومشروع كلية تيفي هو أقرب الى التعليم العالي بالمغرب مما يبدو عليه . قد يظن البعض أن ارساء قناة جامعية لا يتطلب الا المال والتقنية وهو خطأ فادح وساذج لأن بضعة أشجار لا تصنع الغابة.

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد أنفلوس
error: www.noonpost.ma