وداعا يا آخر الشيوعيين…

15 يونيو 2021
زين العابدين الكنتاوي

رحل سعدي يوسف، الشاعر الكبير وأحد الأصوات المهمة في تاريخ القصيدة العربية، الشاعر الذي ربطته علاقة وطيدة جدا بالمغرب، واختار طنجة مثل غيره من مشاهير الأدب، مرفأ يتعوده من حين لحين، إلى جانب مدائن كثيرة أحب التنقل بينها جيئة وذهاب من وإلى لندن. لندن التي آثرها منفى رسميا بعد طول تجواب في العواصم بعد مغادرته العراق منتصف الستينات.

تخلو مقررات اللغة العربية بالثانوي التأهيلي – التي عاينتُ – من أي نص لسعدي يوسف، على أنه يُكمل – عن جدارة- بحداثة تجربته وقوتها، فسيفساء الشعرية العربية الحديثة، ومن الغريب حقا أن يغيب اسمه من أي متن يستحضر أنتاجَهُ المجيدين : السياب وأدونيس والبياتي وعبد الصبور!

هذا السؤال نفسه طرحته سابقا في الجامعة وأنا أكتشف سعدي لأول مرة عبر الأنترنيت، على إثر الضجة الكبيرة التي أثيرت حول تعليق له على تدوينة للشاعرة وداد بنموسى، إذ كتب حينئذ جملته الصريحة المزعجة: ” القصيدة المغربية الآن، لاتقول شيئا”! فقامت الدنيا، وربما حقّ لها! لكن الجملة في حد ذاتها لم تخل من شعرية مركزة : علامة الفاصلة بعد “الآن” مباشرة، وفعل المضارع المنفي، و”شيئا” المفعول به… تحيل جميعا على أن الرجل حبك الجملة القصيرة بدقة فائقة، ودسها في التعليق كأي لغوي ماكر محنك. هل كان صادقا؟ أم كان متحاملا؟ في تصوري أن حرف النفي ألطف قليلا من حرف الجزم في هذا السياق، على أية حال.

بعد أيام سأصادف “صورة أندريا” معروضا أمام كلية الآداب ابن زهر، وسيكون أول ديوان أقرأه لهذا العراقي العامِر. وفي “صالون ميسون” سيترآى لي عبر اليوتوب عجوز ثمل نحيف بقلادة خفية وزيٍّ شبابي مستفز، سأدرك بعد حدس أنه هو، وحين استضافه ياسين عدنان في مشارف، ظهر بلباس رسمي، لكن مع قلادة مذهبة ة، توحي مرة أخرى بتمرده الثابت على الرسمي.

أقرّ سعدي بالتجربة المغربية المميزة في الشعر(سابقا) ، وظل مسكونا بالفضاء المغربي في شعره، على أن “البيت” لم يرث سعدي يوسف بعدُ، سوى مانشره الصديق القادري في صفحته أول أمس، “بيت الشعر” الذي منح سعدي جائزة “الأرگانة” العالمية للشعر سنة 2009 ، إذ جاء في ديباجة التتويج المصوغة بأناقة، أن منجز سعدي “يؤشر على كدّ تصوري عصامي وملحاح، وعلى مثابرة كتابية جديرة بالإشادة، كانت لهما آثار ملموسة ومحفزة، سيان في الوعي الشعري العربي المعاصر أو في الذائقة القرائية بالعالم العربي”.

مُنجز سعدي يوسف الشعريّ الهائل، حافل بكمّ رفيع من الجمال اللغوي المتقن، و الرؤى الشعرية الخصبة، وهو ما يستوجب أن نبقى على صلة حميمة به، في تخفف مما أثاره من زوابع في عقده الأخير، بنصوص فاترة أو تصريحات نشاز، مستحضرين شساعة هذا المنجز وكفاءة صاحبه في تجويده على مدار عقود طوال، بدأها مُعمّدا، ثم مُفعّلا، ثم زاهدا في الوزن الخليلي…

“الشعر خبزي اليومي، وأريد له أن يكون خبز الناس جميعا”.. وداعا وداعا..

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد المراكشي
error: www.noonpost.ma