قراءة في النموذج التنموي الجديد للمغرب.

7 يونيو 2021
ذ.جامع مرابط

يعتبر النموذج التنموي الجديد للمغرب، الذي يسعى إلى تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وثيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع في أفق 2035، وثيقة رسمية مرجعية علانية عمومية قابلة للنقاش العمومي الجدي ومسؤول وموضوعي بغية تملكها قصد العمل بها في مجال التنمية.

وقد تم إعداد هذا النموذج المتضمن في تقرير من طرف لجنة مكلفة من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس مكونة من 35 شخصا بذلت مجهودا كبيرا ومهما، باعتماد مقاربة تشاركية لبلورة هذا النموذج، الذي سوف يرهن مستقبل المغرب لسنوات قادمة، من خلال عقد جلسات الاستماع مع الأحزاب السياسية والثقافية والمدنية. سأحاول في هذه المساهمة ملامسة بشكل عام أهم القضايا المتضمنة في التقرير العام للنموذج التنموي الجديد.

  1.  بالنسبة للمرجعيات المؤطرة للنموذج التنموي الجديد:

يستمد إعداد وصياغة هذا النموذج التنموي مرجعياته من:

1-التوجيهات الملكية وأخص بالذكر:

  • الخطاب الملكي أثناء افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة بتاريخ 12 أكتوبر 2018 حين قرر جلالته تكليف هذه اللجنة: ” ….. لقد قررنا تكليف لجنة خاصة، مهمتها تجميع المساهمات، وترتيبها وهيكلتها، وبلورة خلاصاتها في إطار منظور استراتيجي شامل ومندمج، على أن ترفع إلى نظرنا السامي مشروع النموذج التنموي الجديد، مع تحديد الأهداف المرسومة له، وروافد التغيير المقترحة، وكذا سبل تنزيله.. “
  • الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش بتاريخ 29يوليوز 2019 على: “….. وإننا ننتظر منها أن تباشر عملها، بكل تجرد وموضوعية، وأن ترفع لنا الحقيقة، ولو كانت قاسية أو مؤلمة، وأن تتحلى بالشجاعة والابتكار في اقتراح الحلول.. “.

2- مرجعيات دستورية ومجتمعية وأخص بالذكر:

  • دولة حامية للرؤية الاستراتيجية، حامية للحق والقانون، حامية للكرامة الإنسانية، حامية للحريات الفردية والجماعية، ضامنة لتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية…. من خلال دستور المملكة ل 2011
  • مجتمع قوي، منفتح، متنوع، تعددي، معبأ، مسؤول يعزز استقلالية الأفراد والجماعات.
  1. بالنسبة لتصميم تقرير النموذج التنموي الجديد:

يتضمن التقرير العام ثلاثة أقسام:

  • القسم الأول: مغرب اليوم وعالم الغذ

وقد تطرق، في عموميات، إلى:

  • الوضعية الراهنة والتشخيص بناء على المشاورات التي أجرتها اللجنة مع المواطنين والمؤسسات؛
  • المرتكزات وعناصر الاستشراف في أفق 2035؛
  • القسم الثاني: والذي يشكل في نظري، صلب التقرير على اعتبار أنه يوضح:
  • طموح المغرب والمغاربة في أفق 2035؛
  • المرجعيات الجديدة للتنمية؛
  • المحاور الاستراتيجية للتحول ومنها:
  • المحور الأول: الاقتصاد؛
  • المحور الثاني: الرأسمال البشري؛
  • المحور الثالث: الادماج والتضامن الاجتماعي؛
  • المحور الرابع: المجال الترابي والموارد الطبيعية؛
  • القسم الثالث: رافعات التغيير ويتضمن المحاور التالية:
  • الأوراش التحولية لإطلاق النموذج التنموي الجديد؛
  • الميثاق الوطني من أجل التنمية.

III بعض القضايا التي تضمنها التقرير العام للنموذج التنموي الجديد

تناول التقرير عدة قضايا، تفرض نقاشا عموميا موسعا وهادئا، من بينها:

1 – المعيقات الأساسية التي تكبح التنمية:

تم تصنيف هذه المعيقات بناء على التشخيص المنجز إلى أربعة معيقات أساسية نسقية وهي:

  • غياب تناسق عمودي بين الرؤية والسياسات العمومية المعلنة وغياب الالتقاء الأفقي بين هذه السياسات. بمعنى آخر، عدم الانسجام بين الرؤية التنموية والسياسات العمومية؛
  • بطء في التحول البنيوي للاقتصاد جراء التكلفة المرتفعة للانغلاق الجزئي للاقتصاد الذي يعيق تنافسية المقاولة بسبب منطق الريع والمصالح؛
  • محدودية قدرة القطاع العمومي فيما يخص تصور وتنفيذ السياسات العمومية والخدمات العمومية ذات جودة؛
  • الشعور بضعف الحماية وعدم القدرة على التوقع الذي يحد المبادرات بسبب:
  • كبح الطاقات بارتباط مع قوانين أقل وضوحا تشكل مصادر محتملة للتعسف (هوة ما بين القوانين والواقع الاجتماعي)؛
  • ضعف الثقة في منظومة العدالة (القضاء)؛
  • بيروقراطية وطرق تظلم غير فعالة تحد من دينامية المقاولة ومن أخذ المبادرة (تعقيد المساطر الإدارية).

    2 – الإشكاليات التي تكبح التنمية حسب التقرير:

هناك إشكاليات هامة تساهم في تفاقم ضعف مردودية السياسات العمومية ومنها:

  • بطء مسار اللامركزية واللاتمركز؛
  • الآجال الطويلة لسن القوانين ونصوصها التطبيقية والغياب المتواتر لتقييمها القبلي؛
  • ضعف ثقافة تقييم السياسات العمومية.

3- عناصر الاستشراف في أفق 2035: ماهي طموحات وانتظارات وتطلعات المغاربة في أفق 2035؟

بناء على ما جاء في تقرير النموذج التنموي، يطمح المغاربة في أفق 2035 إلى:

  • تحسين جودة الخدمات العمومية لضمان تكافؤ الفرص في أربعة مجالات رئيسية:
  • التعليم والصحة والنقل وفرص لتنمية القدرات الشخصية بواسطة الثقافة والرياضة؛
  • الرفع من قدرة الاقتصاد الوطني على خلق المزيد من القيمة المضافة ومناصب شغل ذات جودة؛
  • تعزيز قدرة المغرب على انتاج المواد والخدمات الأساسية استحضارا للأزمة الصحية كوفيد 19؛
  • ترسيخ حكامة ناجعة وفعالة ترتكز على أدوار ومسؤوليات محددة بكامل الوضوح من خلال:
  • الرفع من فعالية الإدارة؛
  • احترام الحريات وترسيخ سيادة القانون؛
  • اشراك المواطن في صنع القرار من خلال تفعيل آليات الديمقراطية التشاركية.
  • ضرورة مواكبة التحولات الوطنية والعالمية برؤية استباقية للمخاطر التي تهدد التنمية لما لها من انعكاسات اقتصادية واجتماعية وبيئية في عالم جديد عالم ما بعد كوفيد 19 (النمو الديمغرافي، بزوغ جغرافية جديدة للنمو العالمي، التحولات التكنولوجية، التغيرات المناخية، تفشي الأوبئة، الطاقة، الهجرة).

بناء على هذا التشخيص تم تحديد مجموعة من الأهداف الرئيسية للتنمية في أفق 2035.

  • أهداف التنمية التي يسعى إليها المغرب حسب تقرير النموذج التنموي:
  • مغرب مزدهر يخلق الثروات وفرص عمل جيدة على مستوى طاقاته؛
  • مغرب الكفاءات؛
  • مغرب دامج يوفر الفرص والحماية للجميع ويعزز الرابط الاجتماعي؛
  • مغرب مستدام يحرص على المحافظة على الموارد في جميع أنحاء التراب الوطني؛
  • مغرب الجرأة يسعى إلى الريادة الإقليمية في مجالات مستقبلية محددة.

وقد اقترحت اللجنة مواكبة الأهداف التنموية من خلال مجموعة من المؤشرات القابلة للقياس تستعمل لقياس الأثر النهائي لمدلول التنمية على المواطن والمجتمع.

  • مؤشرات تقييم النتائج المتوخاة من الأهداف:

تم تحديد 15 مؤشرا لتتبع الأهداف الرئيسية للتنمية موزعة على خمسة مجالات:

  • في المجال الاقتصادي:

1 الناتج الداخلي الخام للفرد على أساس المعادل للقوة الشرائية وبناء على فرضية نسبة نمو سنوية متوسطة تفوق 6%؛

2 مؤشر المشاركة في سلاسل القيمة العالمية؛

3 القيمة المضافة الصناعية للتكنولوجيا المتوسطة أو العالية

  • في مجال الرأسمال البشري:

4 مؤشر الرأسمال البشري؛

5 كثافة مقدمي الخدمات الصحية بالنسبة لكل 1000 نسمة (باستحضار أهداف التنمية المستدامة)

6 نسبة التلاميذ الذين يتقنون القراءة والرياضيات والعلوم في سن 15

  • في مجال الادماج:

7 نسبة النساء النشيطات؛

8 نسبة العمل المهيكل المأجور ضمن الشغل الكلي؛

9 مؤشر جيني؛

  • في مجال الاستدامة:

10 نسبة المياه المحلاة والمصفاة من الاستهلاك الكلي للماء؛

11 مؤشر التنمية المحلية المتعددة الأبعاد؛

13 حصة الطاقة المتجددة في إجمالي استهلاك الطاقة

  • في مجال الحكامة والتسيير:

13 مؤشر فعالية الحكومة؛

14 مؤشر الخدمات المفتوحة عبر الانترنيت؛

15 نسبة رضا المواطنين إزاء الخدمات والتي ينبغي أن تصل، حسب التقرير، إلى 80% في أفق 2035

  • المحاور الاستراتيجية للتحول:

من أجل تحقيق الطموحات والأهداف الأساسية التي ينشدها النموذج التنموي تم تحديد أربعة محاور استراتيجية وكل محور يتضمن اقتراحات وأثرها على المواطن. وفيما يلي هذه المحاور:

المحور الأول بخمسة اختيارات استراتيجية: اقتصاد منتج ومتنوع قادر على خلق قيمة مضافة ومناصب شغل ذات جودة؛

المحور الثاني: رأسمال بشري معزز وأكثر استعدادا لمستقبل بثلاثة اختيارات استراتيجية تهم التعليم والصحة؛

المحور الثالث: فرص لإدماج الجميع وتوطيد الرابط الاجتماعي بارعة اختيارات استراتيجية (النهوض بوضعية النساء المغربيات، تشجيع ادماج وازدهار الشباب، النهوض بالتنوع الثقافي، الحماية الاجتماعية وتعزيز التضامن بين المواطنين)؛

المحور الرابع: مجالات ترابية قادرة على التكيف باعتبارها فضاءات لترسيخ أسس التنمية بأربعة اختيارات استراتيجية (العمل على انبثاق “مغرب الجهات ” مزدهر وحيوي، ضمان إعادة تنظيم متجدد للمستويات الترابية، الحفاظ على الموارد الطبيعية.

  • رافعات التغيير:

تتطلب التحولات الهيكلية التي يوصي بها النموذج التنموي الجديد إمكانات بشرية وتقنية ومالية هامة. لذا وجب التركيز، حسب اللجنة، على خمس رافعات Leviers أساسية:

  • الرقميات: La digitalisation كرافعة للتحول السريع؛
  • الإدارة من خلال جهاز إداري مؤهل وفعال؛
  • تأمين الموارد الضرورية لتمويل مشاريع التحول؛
  • اشراك مغاربة العالم للاستفادة من معارفهم وشبكاتهم وخبراتهم؛
  • تعبئة علاقات التعاون مع الشركاء الأجانب (الشراكات الدولية) بمنطق رابح –رابح.

فبالنسبة لتمويل النموذج التنموي الجديد، فالأمر يتطلب، حسب التقرير، تعبئة موارد مالية ضرورية لإطلاقه وتفعيله من خلال:

  1. الدولة عبر توسيع الحيز المالي للدولة انطلاقا من مجموعة من الإجراءات:
  2. ترشيد النفقات؛
  3. توسيع الوعاء الضريبي؛
  4. تعبئة الإمكانيات الضريبية؛
  5. المديونية العمومية
  6. قطاع السوق من خلال:
  7. تعزيز التنافسية وجاذبية الاقتصاد الوطني؛
  8. نظام للتقنين بمعايير دولية
  9. نظام مالي متنوع ومرن يضمن تمويل ميسر للأنشطة الاقتصادية؛
  10. تعبئة ناجعة لفرص الشراكة المالية والاقتصادية والتقنية؛

 إلى جانب هذا، الأمر، حسب اللجنة، يتطلب متطلبات ضرورية تتمثل في الانفتاح على الكفاءات وقدرات التنفيذ

  • تنزيل مشروع النموذج التنموي الجديد:

يتطلب التنفيذ الفعلي للنموذج التنموي حسب اللجنة:

  • تعزيز وظيفة القيادة الاستراتيجية والتتبع وإدارة التغيير؛
  • حث جميع القوى الحية وجميع الفاعلين الانخراط من أجل إنجازه؛
  • ترجمة النموذج التنموي في صيغة توافقية إلى ” ميثاق وطني من أجل التنمية ” يكون ملزما لكل القوى الحية الفاعلة في مجال التنمية وأيضا التزاما معنويا وسياسيا قويا امام جلالة الملك والأمة برمتها.
  • توصيات اللجنة:

توصي اللجنة بإحداث آلية لتتبع النموذج التنموي الجديد وحفز الأوراش الاستراتيجية ودعم إدارة التغيير تحت السلطة المباشرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.

يمكن أن تسند إلى هذه الآلية، التابعة لجلالة الملك، المهام التالية:

  • العمل على التعريف بالنموذج التنموي الجديد (المرجعية والميثاق الوطني للتنمية) وضمان نشره على نطاق واسع عبر جميع وسائل التواصل؛
  • تصميم ووضع رهن إشارة الهيئات والسلطات المعنية أدوات منهجية ترمي إلى تسهيل التنفيذ المنسجم والفعال للنموذج التنموي الجديد؛
  • السهر على انسجام الاستراتيجيات والإصلاحات المقترحة لأجل تفعيل النموذج التنموي الجديد مع المرجعية والميثاق الوطني للتنمية قبل اعتمادها من طرف السلطات المختصة، عن طريق الإدلاء بآراء وتوصيات؛
  • ضمان تتبع تفعيل الأوراش الاستراتيجية التي تقودها السلطات المكلفة بها ورفع التقارير بشأن ذلك إلى جلالة الملك؛
  • دعم إدارة التغيير من خلال المساهمة، بناء على التعليمات السامية، في إعداد مشاريع استراتيجية لدعم السلطات والهيئات المختصة وفي تجريب الأوراش المبتكرة وفي تطوير مسالك تنفيذية خاصة ب ” التكوين –الفعل ” وبتدبير التغيير داخل الجامعات ومدارس التكوين المتخصصة.

   يعد النموذج التنموي الجديد الذي تمت بلورته في تقرير وثيقة رسمية مرجعية ترسم آفاق التنمية لبلادنا في أفق 2035، مما يقتضي معه فتح نقاش عمومي مستفيض ومسؤول لكل القضايا التي تم طرحها في النموذج (القضايا الاجتماعية، الاقتصادية، الحقوقية، الثقافية، البيئية، التربوية….) وذلك بتوظيف كل الإمكانيات المتاحة من أجل فهم مضامينه وخلق تعبئة مجتمعية وإجماع وطني حوله بالنظر لأهميته الاستراتيجية.

  وفي تقديري أرى أن تنزيل هذا النموذج التنموي، الذي يرعاه صاحب الجلالة، على أرض الواقع يتطلب حكومة قوية، برلمان قوي، مجالس منتخبة نزيهة قوية مبدعة ومبادرة، مجتمع مدني قوي وحيوي وأحزاب سياسية قوية فاعلة ومتفاعلة مع مضامين النموذج التنموي الجديد وقادرة على تنزيل مقتضياته وفق مقاربة تشاركية ديمقراطية من خلال الانفتاح على كفاءات الوطنية.

  كما يتطلب الأمر كذلك، انخراط الفاعل الاقتصادي والاجتماعي بحس مواطناتي ومسؤول من أجل ربح رهان التنمية المنشودة في أفق 2035 لجعل بلادنا تنافس الاقتصاديات العالمية ولجعل هذه التجربة نموذجية على الصعيد العالمي.

جامع مرابط

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد المراكشي
error: www.noonpost.ma