كن ديمقراطيا كي أراك!

23 يناير 2021
محمد سالم الطالبي

محمد سالم الطالبي

لا احد يشكك بالمرة في كون الديمقراطية ارقى شكل من اشكال الحكم التي اهتدى اليها الانسان بعد سعيه الطويل والمرير في التفكير من اجل وضع حد للاستعباد والاستبداد.

على ان التشبث المتطرف بالنص نظريا، دون الاخذ بعين الاعتبار باقي العناصر الفاعلة في معادلة التحول الديمقراطي ، واعتبار تنزيله حرفيا على ارض الواقع السياسي الحالي شرطا لازما و ضروريا قبل الانخراط في أي عمل جماعي من داخل المؤسسات المنتخبة، بنظري لا يعدو كونه قراءة سطحية واختزالية و “سلفية” اقرب لتباريح عاطفية منه الى أي شيء اخر.

و في ضوء قراءة بهذا العمى الاديولوجي فغالبا ما يسود الاعتقاد ويقود بعض المدمنين على اختلاق الاعذار الى اعتبار انفسهم أذكى من غيرهم من الذين قرروا، عن وعي كامل بالواقع وحجم المسؤولية وتداعياتها، اقتحام العقبة، معلنين انخراطهم في معركة الاصلاح من داخل المؤسسات، وادراكا منهم كذلك بان ما لا يدرك كله لا يترك جله.

وهكذا ارتاح هؤلاء و اراحوا أنفسهم من قلق التفكير و من ممارسة في حدود الممكن، بل وحتى من اي مشاركة انتخابية بذريعة فهمم الزائد لديمقراطية وجدوا في “غيابها” مشجبا يعلقون عليه اخطاء و اخطار الممارسة في هذا السياق الدستوري.

وبعيدا عن الأفكار الطوبوية فتحقيق الديمقراطية ونجاحها ليس في نظري مرتبط بتغيير اوراق دستورية او بقرار يتم تنزيله على عجل كي يصير المجتمع ديمقراطيا، وقابلا للاحتكام لقواعدها الصارمة، بقدر ما أن الانتقال و المسار طويل لا يمكن لثمار الديمقراطية ان تنضج في نهايته الا اذا سبق ذلك كله وجود لديمقراطيين فكرا وممارسة يغرسون قيم الديمقراطية في محيطهم الأقرب و داخل مؤسساتهم الحزبية او المنتخبة، و يتعهدونها بالرعاية وفق تمرين سياسي مسؤول يقطع مع هذا السلوك الحالي الاقرب الى المافيا منه الى العمل السياسي.

موازاة مع ذلك يجب ان لا نتجاهل اهمية وجود وعي جمعي متنامي و مقتنع بجدوى الديمقراطية كتعبير عن ارادة شعبية تُغلب المصالح العليا و القيم الديمقراطية الاسمى على الانتماءات الحزبية او القبلية الضيقة، لان هذا ما يسهم في النهاية في منع الرعاع من الوصول الى السلطة، و بالتالي الابقاء عليهم، حماية للقيم الديمقراطية، في حجر سياسي صحي للمجتمع ، وعكس ذلك هو ما يؤدي مع مرور الوقت لا محالة الى اتساع دائرة العدوى و افساد عقول الناس.

ولعله من الواضح كذلك ان ما تمارسه الاحزاب السياسية عمليا لا يساعد في انجاح انتقال ديمقراطي بقدر ما يبدو انها تجد نفسها مطمئنة في العمل داخل هامش يحفظ لها ماء الوجه في كل مرة تفشل في تنفيذ الوعود التي تمنحها بسخاء طمعا في الحصول على نصيبها من السلطة، فلاهي قامت بأبسط واجباتها المتمثلة في تزكية الاصلح لتمثيلية انقى وارقى داخل المؤسسات المنتخبة، ولا هي فتحت المجال لنشوء حركة تصحيحية تقلب نظامها الداخلي الذي يكرس الاستبداد تحت شعارات ديمقراطية.

والطامة الكبرى انها تتربص الفرص لتنقاد بعد ذلك وراء الرعاع، و تتغذى سياسيا على ميولاتهم الرعناء راكبة بذلك موجة الانتهازية و الشعبوية العمياء في تحد واضح للقيم الديمقراطية التي لا تقبل الحياد عندما يتعلق الامر بتهديد لوجودها. وعلى سبيل المثال فقد سمع الجميع الامريكيين، من كلا الحزبين، و من اعلى هرم السلطة، يتحدثون بغضب عن مقتحمي الكونغرس ووصفهم بالرعاع، the mob ، بينما يقف سياسيونا نحن وقفة اجلال و احترام امام اقتحام الرعاع للمؤسسات المنتخبة.

افلا يعتبر هذا السلوك شكلا من اشكال النصب والاحتيال عندما تتحدث هذه الاحزاب عن الديمقراطية بينما هي تمارس في الاصل نقيضها!؟

والحقيقة انه في وجود هذا المشهد الحزبي الذي يكون للرعاع فيه الكلمة العليا يصبح من المشروع، بل من الواجب تأجيل الموعد مع الديمقراطية، و الابقاء على دور الوصاية و تضييق مجال الصلاحيات في المؤسسات المنتخبة كي تظل مجالات حيوية على الاقل في مأمن من قرارات منتخبين جهلة عبدت لهم هذه الاحزاب الطريق لوصولهم الآمن للسلطة، زد على ذلك ما نتابعه مؤخرا من رسائل غزل تشي برغبة عشاق الكراسي للتوافق حول مائدة الانتخابات و دفن الخلافات بسرعة البرق بهدف تقاسم الادوار من جديد على حساب مصالح الشعب.

ان تكون ديمقراطيا اليوم يعني ان تسخر نفسك منذ الان جنديا في معركة مواجهة انتخابية مفتوحة مع هؤلاء جميعا بهدف الاصلاح قدر المستطاع، و التنزيل الملموس للقيم الديمقراطية كمقدمة لابد منها في افق استقبال الديمقراطية في ظروف افضل يكون القرار فيها في البداية كما النهاية بين ايادي ديمقراطية امينة.

اما احلام الثورات فقد انتهت يا رفيقي الى غير رجعة بعد ان استحالت كوابيس تؤرق من انخدعوا ذات نزق ببريقها، ولعل التاريخ يؤكد لنا بما لا يدع مجال للشك انها لم تكن يوما سوى مقدمة لديكتاتوريات و جمهوريات وراثية لا تمنح ادنى هامش بالمرة لعمل سياسي او لتعددية سياسية في حدودها الدنيا .

والواقع أن أغلب من يعانق نظرية الثورة هذه يحمل في جيناته استبدادا مقنعا، إذ ما ان تنشف رجلاه بعد قطعه لواد “النضال” حتى ترى منه عجبا، ان فكرة الحلول هي الاديولوجية المشتركة لكل الحالمين ببناء نظام على انقاض نظام اخر، أي انهم يريدون الحلول محل خصم اديولوجي و كفى.

و من منظوري المتواضع فالمشاركة السياسية الفعالة تقتضي ملء الفراغ بما يناسب، قبل فوات الاوان، من خلال المشاركة في الانتخابات ، و الخروج من منطقة الاريحية Comfort Zone, وهو ما يسمح بتحييد خصوم الديمقراطية من المشهد الانتخابي، الذي هو مصدر عيشهم السياسي الوحيد، و لا ضرر مع تحمل فاتورة الاكراهات و التحديات التي تغني في كل الاحوال التجربة السياسية و تعزز من فرص نجاح انتقال ديمقراطي.

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد أنفلوس
error: www.noonpost.ma