قراصنة الانتخابات

31 ديسمبر 2020
محمد سالم الطالبي

محمد سالم الطالبي

من موقع المتفرج، بل المتشفي في الحقيقة في أحوال الناس جراء ما يعانونه يوميا بسبب الواقع السياسي والحزبي الذي ابتلينا به ، يصطف قراصنة كثر على شاطئ الحياد الايجابي، الايجابي بالنسبة لهم طبعا، في انتظار اللحظة الحاسمة للانقضاض على “باركو” الانتخابات الذي يلوح في الافق القريب، وتحديدا في 23 يونيو القادم، وهو الموعد الذي اعلنته وزارة الداخلية لتنظيم الانتخابات التشريعية و الجهوية والجماعية في يوم واحد.

وحتى ان بدا للجميع ان قطاع الطرق هؤلاء مختلفين لونا، لكنهم في الحقيقة على قلب “رجل” واحد تدق ضرباته على ايقاع المصلحة الخاصة لا غير، لذلك لم يحدث يوما مثلا ان خرج رجل حقيقي واحد يسبح ضد هذا التيار، و يقول اللهم ان هذا منكر، و يتبع ذلك كله بمواقف تقطع سلوكيا و ابستمولوجيا مع ظاهرة الانتهازية التي استفحلت بشكل يصعب اجتثاث جدورها.

وبمناسبة الانتهازية التي يأخذها البعض على محمل الجد من منظور اديولوجي محض، متناسين و جاهلين ولعلهم متجاهلين ان اسوء اشكالها تتجلى في تفاديهم عنوة لطريق النقد للمسؤولين عن تدبير الشأن العام ، و محاولة اختطاف النقاش بعيدا عن مربع العمليات الذي يهدد مرماهم، احيانا تحت غطاء الانتماء للحزب الواحد، او تحت شعار القبلية اولا واخيرا، و هلم جرا من تلك التفاهات و المبررات التي لا يتعبون كثيرا من اجل الحصول عليها . لكن الحقيقة المرة التي لا يستطيع احد فيهم ان يخفيها هي ان ممارستهم السياسية “نقدية” اولا واخيرا، ما معناه ان ثمنهم مقابل سكوتهم عن الكلام في هذا السياق ليس بالضرورة نقدا، لأن هذا الاخير غالبا ما يكون “مصرف” الى العملة الصعبة المتمثلة في حوائج شخصية تقضى عبر القنوات المعلومة او “بليزيرات” سخية في اطار العلاقات الشخصية ، و احيانا اخرى تحت يافطة الشعارات الثورية التي تطعن جملة وتفصيلا في قواعد اللعبة الانتخابية التي حتى ان امتنعوا عن المشاركة فيها، الا انه بالنسبة اليهم فلا مشكلة اطلاقا في استثمار نتائجها، لصالحهم دائما طبعا. كل هذا يفسر جانبا مهما من ازمة الاخلاق السياسية على طريق محاولة فهم الواقع الحزبي و السياسي الذي يغذي يوما بعد يوم تيار المقاطعة، الامر الذي يفتح الباب واسعا امام تناسل المزيد من الفيروسات الانتخابية التي تقتات على الفراغ الكبير.

و هكذا نرى للأسف كيف تتحول الانتخابات من كونها أداة عملية واقتراحية لتحريك ماكينة التنمية المعطلة محليا، ودليل الجدوى هنا ان قواعد اللعبة نفسها انتشلت مدن اخرى من براثين التخلف، الى وسيلة لتنمية الرأسمال الحزبي و المادي لقراصنة الانتخابات الموزعين على خارطة اللعبة كل حسب اسمه و موقعه ودوره في معادلة المجهول الواحد فيها هو التنمية.

وفي النهاية فان الرابح هم بطبيعة الحال، اما الخاسر الاكبر فهي مشاريع التنمية المؤجلة كما مستقبل السكان الذين يجدون انفسهم في كل مرة امام مؤامرة كاملة الاركان تنسج بين فيروسات اللعبة السياسية ما ظهر منها و ما بطن.

لهذا من المستحيل انتظار تحقق المعجزات على المستوى المحلي في ضوء ما وقع وما سيقع من تطبيع مع انقلابات على ابسط المبادئ المؤطرة للعمل السياسي، والتي يعتبر النضال من اجل ترجمتها على ارض الواقع، و من داخل الاحزاب اولا، وفاء و تعبيرا عن حضور و مقاومة حقيقية ترفض التواطؤ ضد المستقبل ، وتلقي نتيجة لذلك بأولى احجار التغيير في مياه التطبيع الراكدة. فلن يكون من مصلحة احد بالمرة انتظار مفاجآت في الدقيقة تسعين من المقابلة الانتخابية التي وبالمناسبة أعطى اللاعبون و المتلاعبون انفسهم بمصالح وعقول الشعب انطلاقتها من خلال جمع شتات كائنات انتخابية لا تنتعش سوى في بيئة الفساد و المكر و الخداع. علما ان كل هؤلاء كانوا حتى وقت قريب اعداء لذودين، و اذا بالمصالح السياسية الضيقة تستدعيهم على عجل للمصالحة و الجلوس كالإخوة على مائدة التخطيط والتآمر و القرصنة في افق اعتراض سبيل “وجبة” الانتخابات القادمة، الشيء الذي يعبر عن الاحتقار الذي يكنونه للسكان و لحقهم المشروع في تمثيلية تملك الشروط الذاتية للمساهمة في تغيير واقع مرفوض.

فهل ياترى سيقبل الاحرار الحقيقيون بهذا الوضع الاخذ في التردي، و يواصلوا طريقهم في صمت دون اكتراث لحجم الاخطار التي تهدد سفينة الحاضر و المستقبل ؟ اعتقد ان الانسان الذي لا يتحرك ضميره رغم كل هذه الهزات والصدمات، و يمتنع عن مواجهة هذه “السيبة” المتواصلة التي ترعاها الاحزاب السياسية عن سابق اصرار و ترصد، والمحاولة في كل الاحوال هي اضعف الايمان، يستحق بالنهاية مثل هؤلاء “الممثلين” في مجالسه المنتخبة، ولا يستحق تبعا لهذا المنطق حتى ان تعطى له الكلمة للحديث عن مشاكل ساهم هو بنفسه في خلقها و استفحالها من خلال تزكيته لمنتخبين تافهين، وعاجزين، وفاشلين، لا ادري، ادري جيدا أن رئيس الوزراء البريطاني، وينستن تشرشل، كان محقا حين قال : ” كل شعب في العالم ينال الحكومة التي يستحق”. فهل نستحق نحن بالفعل هذا المجلس البلدي الذي يفضل رئيسه مد رجليه في “الباركي” في انتظار “الكباب” بدل ان يشمر عن ذراعيه و يصلح على الاقل ما افسده تدبيره اللامسؤول؟

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد أنفلوس
error: www.noonpost.ma