اللي قال العصيدة باردة..

26 ديسمبر 2020
محمد سالم الطالبي

محمد سالم الطالبي

كل الذين يحاولون اليوم من داخل حزب العدالة والتنمية اقتناص الفرصة الانتخابية لمهاجمة رئيس الحكومة وامينهم العام في الحزب، سعد الدين العثماني، الذي وقع بالنيابة عنهم وباسم الحكومة على اتفاق التطبيع، هم ليسوا في الحقيقة سوى عينة متحولة و متحورة حسب الطلب و العرض، تسعى إلى سرقة الأضواء في هذا السياق السياسي و في هذا التوقيت بالضبط، للظهور بمظهر المؤمنين و المستميتين في الدفاع عن المبادئ والقضايا المقدسة. وفي هذه الحالة المستجدة فقد جاء الدور على القضية الفلسطينية، التي أخرجها استئناف العلاقات بين المغرب واسرائيل من دولاب الحزب، لتأخذ مكانها على لاىحةالاولويات، وتستثمر من طرفهم كعملة صعبة في بورصة المزايدات الانتخابية, لا اقل ولا اكثر.

والواقع أن كل من يفهم القليل في السياسة، و يضع هذا الحزب تحت ضوء القراءة الموضوعية، فهو لا محالة سيصل إلى نتيجة مفادها أن سلوك هذا الأخير لا علاقة له بالمبادئ لا من قريب ولا من بعيد، وكل هذا الشفوي المتناثر في الهواء، بعد سقوط كمامة الحقيقة عن وجه الحزب، لا شيء يسنده من الوراء سوى الرغبة في تصفية الحسابات الداخلية، وتحقيق أكبر قدر من المصالح السياسية على حساب القضية الفلسطينية، وإلا كيف نفسر جمود المواقف المبدئية في محطات كثيرة من تاريخ الحزب منذ أن اعتلى صهوة الحكومة؟

وما اعرفه شخصيا أن من كانت له قناعات ومبادئ حقيقية لما فوت الفرصة أكثر من مرة، و لكان صدح برايه، دون الأخذ بعين الاعتبار تداعيات ذلك، و لكان أطفأ “اللمبة” منذ مدة طويلة حتى ينام في بيته بضمير مرتاح.

فالمبادى كل لا يتجزأ، و السكوت عن الحق شيطان أخرس كما يقال. فهل يا ترى سمعنا هذا اللغط وهذا العويل من داخل اخوان “الصفا” عن خرق وزيرين، جاءا و يا حسرتاه إلى الحكومة بعد مسار قانوني يفهم جيدا لغة القانون، لأبسط قوانين حقوق الإنسان و المتعلقة بالتصريح بمواطنين في الضمان الاجتماعي مثلا؟

“هادو طحنو كاع المغاربة و تعول عليهم يدافعوا على الفلسطينين”

وهل كانت المبادئ حاضرة بهذا المقدار من الحماس المزعوم عندما اعتلت النائبة البرلمانية عن العدالة والتنمية منبر الكذب و التهديد بخصوص صور باريس، علما انه كان يكفي أن تتحدى العالم كله كونها تعيش حياتها الخاصة بكل تفاصيلها، بما فيها الحق في السفر والملبس دون حاجة للكذب و القول بأنها صور مفبركة؟

وهل المبادئ يا ترى يجب أن تظل معلقة و معتقلة في أوراق الحزب المذهبية لا ينبغي “تحريرها” الا عندما يتعلق الأمر بقضايا معينة دون اخرى؟ أم أن الأهواء السياسية في الحقيقة هي المقدسة في نظر هؤلاء، لذلك نرى كيف أن التعبير عن مثل هذه “المواقف” محسوب بدهاء، لكون المقصود من وراء ذلك في النهاية ليس سوى اضعاف خصم ضعيف أصلا، انتهت مدة ولايته وصلاحيته في الآن نفسه، و حان الوقت لترتيب أوراق التموقع من جديد، بعد مرور عاصفة الشفوي بنجاح؟

والواضح أنه عندما يتعلق الأمر بأشخاص متفقهين في خلط الاوراق، و بزعامات نافذة تكلف مواجهتها فاتورة ثقيلة على مستوى المواقع، فقد رأينا كيف يغمض الجميع أعينه، ويتحول السكوت عن الكلام المباح الى حكمة و نعمة، بل الى فقه سياسي مقاصدي يرى في جلب المصالح أولى من دفع المفاسد، فالضرورة هنا إذن تستدعي حسب اجتهادهم الحرص على المستقبل الانتخابي والسياسي، وهو الأمر الذي يبيح تبعا لذلك دفن المبادئ حتي اشعار اخر؟

لذلك فلا يمكن أن يقنعنا هؤلاء اليوم بأنهم حريصين على القضية الفلسطينية أكثر من غيرهم وهم الذين مارسوا التطبيع مع الفساد حينما تحالفوا مع التجمع الوطني للأحرار الذي اتهموه نهارا جهارا بالفساد، في قصف ثبت بما لا يدع مجال للشك ان الغرض منه لم يكن محاربة الفساد ولا الاستبداد، وإنما مجرد تحقيق اختراق سياسي داخل الحزب تمهيدا للتحالف معه تحت سقف الحكومة وهكذا كان.

ولنكن مبدئيين وموضوعيين و نطرح سؤالا آخر على الحزب الإسلاموي و هو لماذا يسمحون لأنفسهم بممارسة ما يعتبرونه حقا في التطبيع و الاستبداد، بطبيعة الحال تحت ذريعة كون السياسة تفرض تقديم تنازلات قاسية من أجل تحقيق المصلحة العامة، فيما ينفون هذا “الحق” عن الدولة التي ترى هي الاخرى أنها في موقع يفرض عليها التطبيع في وقت تتداعى عليها الأمم كما يتداعى الأكلة على قصعة الطعام؟

ولا يجب اصلا ان ننتظر جوابا من هؤلاء، فكل ما يشغل بالهم ، كما اتضح، هو “العصيدة” الانتخابية التي بالنسبة لهم غاية اسمى تجد في “الإعلان” عن “الموقف” من التطبيع مع الكيان الصهيوني المجرم وسيلة لضمان الجلوس حول مائدة الحكومة المقبلة.

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد أنفلوس
error: www.noonpost.ma