زي الكتاب مبيقول

20 نوفمبر 2020
محمد سالم الطالبي

بقلم محمد سالم الطالبي

” عند انهيار امبراطورية الموحدين والساقية الحمراء تحتضن العلماء والمتصوفين دعاة الوحدة والدفاع عن الاسلام، ابتداء من غدالة الصنهاجية في القرن 11، مرورا بسيدي أحمد الكنتي وسيدي احمد البكاي وسيدي احمد الركيبي وسيدي احمد العروسي في القرنين 15 و16 وصولا الى الشيخ ماء العينين في القرن 19، والصحراء المغربية تعيش الم وحلم. الم انهيار المشروع التوحيدي وحلم تجديده”.

د. عبد المالك الشامي ” الصحراء المغربية، عقدة الوحدة والتجزئة

يبدو والله اعلم ان كثيرين من كثرة ادمانهم على وصفات “التبنديق” اعتقدوا أن دوام الحال ليس من المحال، لذاك شمروا عن سواعدهم بسرعة و فتحوا باب “الوطنية” على مصراعيه استعدادا لالتهام “الزردة” السياسية التي حسب ظنهم لسوف تطهى على نار التدخل الهادئة في الكركرات. وإن هم الا يظنون. “فمول المليح جمع وراح”، و لم يعد الضرب على وتر الوطنية على ايقاع “المناسبة” يسترعي الانتباه داخل مراكز القرار التي لم تعد تطربها مثل هذه الاصوات التي اساءت للوطنية اكثر مما نفعتها.

ولا ادري لماذا تذكرت في هذا السياق السياسي والحربي تلك الايام التي، وبعد ان انجلى غبار المعركة، اي بعد تدخل القوات العمومية لفض اعتصام الميناء بسيدي افني، وما تلاها من أحداث، خرج “السوارفة” من جحورهم فجأة رغبة منهم في ركوب الموجة مبرزين عضلاتهم، او على الاصح مفاتنهم الحزبية، للإيقاع بالناس في شراك خطابهم المنافق.

ورغم كونهم فارين من المعارك من قبل ومن بعد إلا ان لسان حالهم لم يمل من ترديد خطابات ثورية و بطولات وهمية كلما اتى احدهم على حديث ، فيما حاول آخرون اقحام قبائل بكاملها في صراع ليست معنية به بالمرة، فمعلوم ان الاعيان كانوا عبروا عن موقف موحد ضد الحراك الذي عرفته سيدي افني منذ البداية.

وَمن جهة أخرى، لكن في نفس الاتجاه المعاكس للحقائق الموضوعية، فقد عالج البعض الاخر الأحداث من زاوية عنصرية محضة حيث حاولوا اسباغ الامازيغية على الحراك و اعتبروا ان الحراك امازيغي محض في شكل واضح من أشكال التمييز و الاستئصال لأي مكون اخر من مكونات سيدي افني و منطقة ايت باعمران، هذه الأخيرة التي يجهل كثيرون من هؤلاء الَمنتسبين عن جدارة واستحقاق للأمية الوظيفية بكونها، شانها في ذلك شأن المغرب كله، خليط اثني انصهر بداخله امازيغ و عرب و افارقة وحتى اندلسيون ، و من لا يزال مسكونا بالشك الاديولوجي ما عليه إلا أن يطالع كتاب الانثروبولوجي الفرنسي Romain Simenel حول ايت باعمران، صفحة52 ، كي يتلقى صدمة المعرفة، إذ يعرض الكاتب المتخصص في المنطقة لمكون مهم في هويتها، الا وهو مكون الشرفاء، les Chorfa والذي تتوزع اصولهم على قبائل الشياظمة، و اداو سملال، و تكنة، و الركيبات و ماء العينين، و أخرى قادمة من الأندلس كأيت اغرابو، و بالتالي فلا أحد يملك الحق اليوم ولا غدا ان يقحم الانتماء القبلي في السياسة، لأن ذلك فتنة، أو يدعي كونه الوحيد الذي يملك الحق الحصري في الحديث باسم المنطقة بذريعة انه استوطنها بالأمس، والحال ان هناك من وضع اسس هويتها ما قبل ماقبل ذلك بكثير.

فالإسراع الى استغلال حدث الكركرات و محاولة الركوب عليه سياسيا من أجل صكوك الغفران، لا يعدو كونه محاولة لقطع الطريق امام تكريس منطق ” اللي فرط يكرط”، لن تفلح في تبرئة هؤلاء الذين رأسمالهم السياسي لا يتجاوز الخروج مناسباتيا لاعتراض سبيل بالوطنية و اجبارها على تلبية رغباتهم السياسية التوسعية على حساب الوطنية الحقيقية التي تتجسد في سلوك يبتعد كل البعد عن المزايدات الفارغة .

ولو كان امثال هؤلاء في الحقيقة هم أهل الحل و العقد في قضية الكركرات لاتوا على الاخضر واليابس، تحت شعار الوطنية دائما، بل وكم كان سيكون صعبا على الواحد منا تخيل تداعيات الوضع، بالنظر للأحقاد التي يراكمونها في قلوبهم ضد كل من يرفض ان يلتحق باجنداتهم الوثنية .

لهذا فالوطنية الحقيقية لم تكن يوما “جفاف” يستعمل متى اتفق من أجل تنظيف البيت الداخلي من الاوساخ السياسة المتراكمة التي تشكل المشروع الذي بني عليه “شي بعضين” ماضيهم و حاضرهم السياسي، بل سلوك والتزام في انسجام تام مع القيم و الأخلاق و حس المسؤولية التي لا ترتبط بمناسبة دون غيرها، أضف الي ذلك الحرص الوطني على توطيد اواصر الوحدة بين أبناء الشعب الواحد مهما كانت الظروف، لا امتهان التمزيق و الخوض مع الخائضين في قاموس التنابز بالالقاب، فلكل قوم “حقه” في ذلك، في الشمال كما الجنوب، في الشرق كما الغرب، سواء كان “اعراب” او “شلح”.

ان المفروض في السياسي او المثقف هو سد الخصاص القيمي و الارتقاء عن هذا الأسلوب المنحط في مسعى دائم لعدم السقوط في حضيض التفاهات انتصارا للهوية المشتركة ووحدة المصير.

وإذا كان هناك من درس يجب أن يستفاد منه في واقعة الكركرات، بعد رفض الاجتماع الذي كان من المفترض تنظيمه في سيدي افني، الذي ظاهره الوطن وباطنه الوثن، فهو ان زمن اللعب بنار الوطنية قد ولى ان كان البعض ما يزال يعتقد انه سيخفي نواياه السياسية من وراء دخانها، مر الزمن الذي ادمن فيه هؤلاء جميعا الاغتصاب الجماعي للمشاعر الوطنية، المفروض ان تسمو على الانتماءات الضيقة، ارضاء لأسيادهم الذين يتابعون اشغال “الطاجين” وهو يطهى على نار هادئة من بعيد.

اما رسالتنا نحن فهي الدفاع عن الوحدة بين جميع المغاربة، بلا حاجة لعرض الازياء، عربا كانوا او امازيغ داخل الوطن الموحد، انه المبدأ المستقل عن تفاهات التافهين، انه الاختيار الذي يجد جذوره في الماضي العميق والعريق، قبل قرون من الزمن، أي قبل ان يستفيق هؤلاء المراهقين السياسيين على حين غفلة ليصدعوا رؤوسنا بما يريدونه عوجا من تاريخ مُسيس ومُسوس في آن.

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد أنفلوس
error: www.noonpost.ma