واجباتكم الصغيرة أولا!

14 أكتوبر 2020
محمد سالم الطالبي

محمد سالم الطالبي


ان حالة غريبة و مرضية في الان نفسه شخصتها مبكرا في سياق نضالي عرفته سيدي افني 11 عاما تقريبا قبل ان تشتعل الحسيمة اثر وفاة المرحوم محسن فكري الذي اوقد من قبره نار الاحتجاجات.
لقد اهتديت الى ان اغلب، ان لم اقل كل الذين كانوا يرفعون سقف شعاراتهم عاليا لتصل الى النظام و تدعي كونه سبب كل الكوارث التي يعيشها المغرب، هم اول الناس الذين يساهمون يوميا في تعزيز أسس نظام للتفكير يتغذى على المؤامرة، لأنهم يجدون فيه الغطاء الذي يخفى العجز و الفشل في القيام بالواجبات الصغيرة التي تبدأ مثلا بتدبير الشان الخاص داخل الحزب، قبل الخروج على الناس خلال الانتخابات طمعا في تدبير الشأن العام.
ولذلك فغالبا ما تشل الستنهم عندما تستدعي اللحظة مجرد التعبير عن موقف واضح تجاه قضية ما تجدد و تحدد موقعهم و “تهدد” علاقة المصالح التي تربطهم باصحابهم و اقربائهم وأولياء نعمتهم في الداخل والخارج. .
فهل ياترى هذا الامر فيه انسجام مع هذه القناعات التي يدعون احتكارها. طبعا لا.
لقد اوصلتني تاملاتي المتواضعة الى ان امثال هؤلاء هم الاخطر في الحقيقة على هذا البلد من النظام نفسه، ببساطة لانهم يحملون مشروعا شخصيا لا اقل ولا اكثر ، اي الخلاص الفردي ، فيما يدعون كذبا خلاصا جماعيا وهو “مشروع” ابعد ما يكون عن سلوكهم اليومي الذي يوسع كل يوم الفجوة بين الخطاب والممارسة. اقول سلوكا لانني اعي تماما ما اقول، فقلما تجدهم في موقع الدفاع عن تلك المبادئ والقيم التي يتبجحون بالايمان بها عندما يكون “الضحايا” من خصومهم الايديولوجيبن او ممن لسبب ما يرون فيهم “شفارة” ذنبهم الوحيد سرقة الاضواء منهم.
هذه الاخيرة تعد تهمة لا تغتفر ، ولذلك فهي تبرر كل الاحكام المسبقة السابق منها اللاحق، و تبرر الصمت عن الكلام المباح، لانها بصريح العبارة تهديد وجودي لموقعهم و لطموحاتهم التي تهدف في نهاية المطاف الى وصولهم الى موقع يضعهم في مناى عن المنافسة في مواجهة النظام، وهي منافسة في الواقع غير شريفة، إذ كل ما تتوسله في النهاية هو تحسين شروط التفاوض و حرق المراحل التي تعيق القرب من مراكز القرار.
بمعنى من المعاني فهم لايريدون زوال النظام ولا حتى إصلاحه ، بل على العكس تماما ، ان كل ما يسعون اليه هو الابقاء على النظام نفسه ، لكونه مبرر وجودهم، و تسخير هذا الخطاب فقط للاستهلاك و للمزايدة و استئصال كل منافس يقف في طريقهم بدعوى انهم يملكون الحق الحصري بالحديث باسم الجماهير.
هذه الحالة المرضية ان صح التعبير تجد اعراضها بارزة في كون اغلب هؤلاء يغيبون عن محطات مفصلية، تطفو من حين لاخر على سطح الاحداث اليومية، و تحدد بشكل واضح معدن الاشخاص و قناعاتهم.
سئل يوما الفيلسوف جودت السعيد كيف تبنى الحضارة فاجاب قائلا :” بأداء الواجبات الصغيرة”
هل كان من الممكن ان يظل المغرب في هذه الاوضاع التي نلعنها جميعا لو ان كل هؤلاء المزايدين تسلحوا بسلاح الشجاعة الحقيقية، وادوا الواجبات الصغيرة و اقتحموا قولا وفعلا معقل الحياد الذي تختبئ فيه كل ازماتنا اليومية معرضين انفسهم في سبيل ذلك الى نيران قبلية صديقة؟
لا اعتقد اننا كنا سنحتاج الى تشنيف اسماعنا بلغة المزايدة التي لا تعكس في الواقع سوى عمق الفراغ الأخلاقي والمعرفي الذي هو ابعد ما يكون من موقع اعطاء الدروس في مشاريع الاصلاح والتغيير..
لقد كان معارضو النظام في الماضي يتمتعون على الاقل بمستوى يشفع لهم في معركة مواجهة النظام وازعاجه في الكثير من اللحظات، اما اليوم فقد صارت الامية الوظيفية هي مصدر ازعاجنا نحن كل يوم في الوقت الذي تعتقد فيه انها بالفعل تمارس ازعاجا للنظام.
ان الاولوية التي ينبغي ان ينتبه لها الجميع افرادا وجماعات سياسية هي اسقاط نظام التفكير قبل التعبير، و الذي يقف حجر عثرة امام التقدم نحو اصلاح شامل.
اما اطلاق الشعارات الفارغة فهو اشبه باطلاق بالونات هواء في اختبار فاشل في انتظار سقوطها بغرض تحقيق متعة عابرة لا اقل ولا اكثر ، لان التغيير يبدأ من الخيمة التي تعود الجميع الخروج منها مائلا كل صباح .

رابط مختصر
محمد أنفلوس
error: www.noonpost.ma