فراش النون..جناح انكسر

10 سبتمبر 2020
كلثومة ابليح

كلثومة ابليح

ذكرتني سلمى أمام عرش الموت وهي تمسح بتثاقل مقلتيها أثر الدمع شاحبتين تنظران إلى رسم أمها ثم تقبله بلهفة كبيرة فتلزه إلى صدرها متنهدة، ومع كل تنهيدة تفقد جزءا من قواها، حتى إذا ما تشبثت بالحياة يخدعها الجسد الصغير فتتهاوى وتسقط..
كانت تطلق العنان لخيالها فتنفذ شخبطات مدهشة على حائط المطبخ، تركز لا إراديا على ألوان تحمل رمز الحياة، سلمى لم تقض طفولتها كباقي الأطفال فكل شيء في حياتها بحساب، بسبب القلب العليل الذي لا يحتمل أي مجهود وأي انفعال، كانت أم سلمى مجبرة على الرسم، تخبئ ما تبتسم له ابنتها في الأدراج في الكتب، في كل مرة بين الأطباق ترسل لأمها..كم أحبك.

كل شيء بميعاد، الأكل والشرب والنوم بالمسكنات، يلازمها الإنتباه الشديد بالتحكم في حركاتها، بالرغم من الخمس سنوات كانت كأنها حياة إنسان في السبعين سنة، كل آمال أسرتها الشفاء بقدر يجعلها تضحك للحياة وتبكي للمآسي، فقد كان الخوف والانتظار يقتلان والدتها فتكاد تتعرض للانهيار بعد كل أنّة تئنها ابنتها وهي ترسم بألوان الحياة تغريدات الفراش والعصافير، تلوّح بالعيش للعام المقبل.
لكن الحياة تلكأت وتعثرت في مشيتها نحو الصغيرة تستيقظ بعد فترة وتقرر الانفصال،فهي لم تكُ تعلم أن نهايتها محتومة كانت تتشبت بكل قواها وأمل أسرتها أن تخف آلامها إلى حين تدخل إلهي وإنساني مستعجل..وكلها ثقة أن من أبطل مفعول النار على إبراهيم ومن أحيا يونس داخل بطن الحوت ومن شفى أيوب عليه السلام بعد سنين المرض سيتدخل بمعجزة، أم سلمى لم تكتف بالابتهال والصلاة إذ قامت برحلة مناشدة للجمعيات الخيرية والمستشفيات، لتجد معجزة تكلل بعودة نبض القلب الضئيل للحب والحياة.
المعجزة استحالت، لم يطاوع قلب سلمى الاستجابة للوخز الكهربائي، انتصرت قلوب الأنانية والتبجح، انكسر جناح فراش النون عن جذع أسرتها التي تمنت كثيرا لو استبدلت أقدارهما وأخذوا آلامها وأوجاعها.

أمام الحزن الرهيب الذي طال النون، رحلت سلمى بعمر الورد، حرمت من أجمل إحساس لأن قلبها كان معطوبا لا تملك أن تهديه لأحد، انطفأ الشمع الذي غردت حوله تستجدي الحياة، تاه روح فراش النون في ظلمة الوادي فرحل تاركا صدى نبضها يصرخ بين جنبات أودية جهة مدانة حقودة، مشحونة بالصراعات.
سلمى لم تك تحتاج إلا انحناءة يد تتدفق برفق شيئا من العلاج والمراقبة الطبية، لكن للأسف أُدينت براءتها أمام تغوّل المسؤولين،توقف نبضها أمام غياب تام لمستشفى يرقى لتطلعات المرضى.
وادنون تسمّم..تعكّر فأظلم..واكتسى الروح فيه لحافا أسودا.

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد أنفلوس
error: www.noonpost.ma