حزب “التناوي” الفائز

21 يوليو 2020
محمد سالم الطالبي

محمد سالم الطالبي


اذا كان هناك من شيء نجح فيه المخزن طوال هذه السنين،
دون مجهود كبير في الحقيقة، فهو زرع “التناوي” بين الناس، بعد أن تفطن لقابلية البيئة الثقافية والاجتماعية لمعانقته واستعدادها الفطري لضمان نشره ، لدرجة أنه بالكاد يمكن أن تتحدث لإنسان دون أن يفعل “اوبسيون ديال التناوي” ، و يبدأ في الانشغال بمن تكون لا بما تقول. وحتى إذا حدث أن وافقته الرأي ذات نقاش سيجد تأويلا لذلك مفاده انك نافقته فقط ، و تحاول كسب ثقته بغرض استمالته لحزبك أو فريقك، هذا إن كان لك انتماء حزبي أو اديولوجي، أما إذا عارضت رأيه و كنت رافضا بالأساس للانتماء لاحزاب “الشلاهبية” هذه، والتي عوض ان تسهر على سد الخصاص الاقتراحي و تاطير الشباب من أجل المستقبل لم تنشغل سوى بالتفكير في سد الباب امام محاولات النهوض عبر اجهاضها للممارسة الديمقراطية ، فأنت والحالة هذه “ديالهم” ، لأنك حسب نظرتهم الضيقة لا تنظر من منظورهم الانتخابي الذي يصنف الناس الى أصدقاء و اعداء.
و”التناوي” ميزة مغربية بامتياز، إذ صار كل شيء يعني نقيضه؛ الوضوح صار مرادفا للسذاجة، وفي هذه الحالة الاستثنائية فأنت تتحول في نظر الناس فورا الى مشروع ينبغي استثماره، والطيبوبة مرادفا للجبن حيث انه حتى النكرات قد تتجرأ على طرق بابك، وفي هذه اللحظتين التاريخيتين بالذات، فما عليك إلا أن تفتح عليهم باب جهنم دون تردد على أمل ان يستعيدوا الوعي بوجودك، و يعرفوا حدودك، ويبحثوا لهم عن ضحية أخرى “ينقرون” عليها.
اما المعقول فله قصته المأساوية لوحده إذ اعتقل في “الجامع” منذ زمن طويل ، ولم يطلق سراحه سوى حزب التقدم والاشتراكية، وبالطبع فهو لم يفعل ذلك لكونه بطل ولا حبا في “المعقول” ، وانما فقط لاستغلاله كورقة سياسية رابحة لقضاء مصالحه الحزبية الضيقة. لأنه وبمجرد اقتسامه لكعكة الحكومة تآمر من جديد على المعقول الذي اضطره الواقع للعودة إلى “الجامع”

و هكذا دفع هذا الواقع ، الذي انقلبت فيه المفاهيم والقيم ، المجتمع الى اختيار “ثوري” يقلب فيه نظام التفكير عن آخره “محررا ” نفسه من قيود “فريع الراس”، و منخرطا في حزب “التناوي ” الكبير الذي يجد له مقرا دائما في عقول “كحل الراس” .

فقد اهتدى هذا العقل الى فكرة عبقرية تضع على رأس توصياتها “سبق الميم ترتاح” ، وفي رواية أخرى “قالو ليا ” حتى ينأى المرء بنفسه عن أي انتماء واية مسؤولية، و كي لا يفقد في نهاية كل جدال مقعده في هذا الحزب العريق.
والنتيجة أن الجميع وجد في “التناوي” هوايته المفضلة وفي احتراف السباحة مع التيار ، لا ضده، النشاط الذي يفضي إلى “راحة” النفاق” على شاطئ الوفاق.
ان هذا التحول او المسخ القيمي هو ما جعل العلاقات الانسانية تصاب في النهاية بجمود أدى إلى غياب الثقة المتبادلة واستحالة بناء جسورها ، بل و اجهض نتيجة لذلك بناء تجارب ديمقراطية تستحق أن تنادي لاحقا بالديمقراطية.

ولقد كان للاحزاب السياسية و غيرها من التنظيمات التي تنادي بالتغيير نصيب الأسد في هذا المجال حيث تعهدت بذور “التناوي” بالرعاية، وسقتها بما يكفي من نبع حساباتها. فيكفي العودة إلى الوراء لنرى كيف كان “للتناوي” الدور الأساس في انفراط عقد حركة 20 فبراير نفسها وهي التي تأسست على قاعدة مشتركة من المطالب الاصلاحية. فاليسار قاده “التناوي” الى الاعتقاد بأنه الكل في الكل و يريد الكل في الكل لدرجة انه اتهم العدل والإحسان بالركوب على موجة الحركة، وهو ما عجل بانسحاب هذه الأخيرة و إصدارها لبيانها الختامي، تاركة وراءها سؤالا معلقا : من يركب على من. وهو السؤال الذي لن يجد له ، بحكم “التناوي”، أي جواب الى حدود الساعة.

وحتى عندما وصل حزب العدالة والتنمية الى السلطة ووجد أمامه كل تلك الصلاحيات الدستورية، التي استند عليها في سياق حملته من أجل التصويت بنعم على الدستور، لم يستطع التخلص من الخلفية الثقافية التي يجرها وراءه، وظل بنكيران يلح على وجود التماسيح والعفاريت في كل مرة يفشل فيها في إصلاح ما يمكن بموجب الدستور اصلاحه، رغم أننا لا ندري كيف اختفت فجأة هذه التماسيح والعفاريت مثلا عندما كان يتحدث عن تحقيقه لانجازات في تدميره، عفوا تدبيره للشأن العام.
وباسم حماية المسار يبرر اي مشروع سياسي وليد استبداده و سلوكه طريق الكولسة، يقرب القريب الى موقع الزعامة، و يرفض الآخر البعيد باعتباره خطر على التجربة التي ،حسب ظنه، ستنجح لا محالة في مختبر الممارسة.
والواقع أن هذا الاستبداد المختفي وراء الشعارات يظهر بشكل جلي عندما يجلس وللاسف كل هؤلاء على كرسي السلطة، حيث يترجمون النوايا الى ممارسة تنسف بشكل نهائي مزاعم الديمقراطية، ليعود “التناوي ” الفائز الوحيد الى مقره في العقل الجمعي، وفيا لوحده بعد كل انقشاع غبار المعركة.
والمشكلة أن هذه النزعة المرضية الاستبدادية تفرز لاحقا سلوكا آخر هو الجبن، إذ يعجز هؤلاء “الديمقراطيون الجدد” عن تحمل مسؤولية أفعالهم والإقرار بهزيمة مشروعهم الاستبدادي ليبحثوا بعد ذلك عن الرأس التركي ، كما يقال، للتملص من دفع فاتورة المحاسبة.
لذلك كله فحزب “التناوي” ستستمر قاعدته في التوسع وستنتشر عدواه مهددة الحقل السياسي بمزيد من الموات، مالم يعالج لب المشكلة الثقافية التي ينمو فيها “التناوي” كالفطر.

رابط مختصر
محمد أنفلوس
error: www.noonpost.ma