قرد..بقرة..برتقال

7 سبتمبر 2019
قرد..بقرة..برتقال
محمد أنفلوس

محمد انفلوس

ما زال محمد يتذكر تلك الأيام الأسطورية. يصحو مع آذان الفجر نشيطا ،رائق المزاج ،مليئا بالحماس، بعد أن حصل على قسط وافر من الراحة لأنه نام منذ الثامنة مساء..يغسل وجهه بالماء البارد (لم تكن السخانات آنذاك متوفرة) مستخدما صابون الكف أو المنجل ثم يشرب وعاء من الحريرة البيضاء المعدة بحليب “بوريسيما” بعدها يتناول افطارا خفيفا( الشاي والخبز وزيت الزيتون ).يتوجه إلى غرفته ،يرتدي ملابسه بمفرده ،يتوجه الى والده ووالدته ويقبل أيديهما قبل أن يخرج إلى المدرسة..

في 2018 تصحو التلميذة أروى على صوت منبه هاتفها المحمول فتغلقه لتعود تحت اللحاف وتغوص في النوم من جديد، ثم تصحو بعد نصف ساعة على صرخات والدتها..تذهب إلى دورة المياه ،تضع رأسها تحت صنبور الماء الساخن بعد ان تضبط حرارته لدرجة انه من الممكن أن تنام تحت تأثير دفء الماء،ثم تفتح التلفزيون على قناة (مزيكا) وتشرب حليب النيدو بالشوكولاتة وهي ترتدي ملابسها وتضيع خمس دقائق بحثا عن فردة الجورب الثانية ،ثم تقضي وقتا أطول أمام المرآة لتصفيف شعرها ثم تخرج إلى المدرسة…

يذهب محمد إلى المدرسة سيرا على الأقدام . الطريق إلى المدرسة له علامات. أهمها الطرق الصغيرة التي تحوطها شجيرات الياسمين التي يفوح عطرها في الصباح. هناك أيضا دكان عمي البشير و سلعه القليلة، محلية الصنع بسيطة التغليف ولكن لها طعم البهجة،مع مرور الوقت أدرك محمد أن الطريق المؤدي إلى المدرسة علمه أكثر مما علمته المدرسة…

في 2018 تقف أروى أمام بيتها حتى يصل (الباص) الاصفر الذي يحمل اسم المدرسة بالبنط العريض. يفتح لها السائق باب الباص فتستقبلها المشرفة بابتسامتها الواسعة مثل مضيفة في طيران قطر. تتجه إلى المقعد المخصص لها لتتابع عبر النافذة الشوارع والمباني والمارة على إيقاع أغنيات غريبة منبعثة عبر سماعات الكيت من هاتفها المحمول..وحين تتأخر أروى ويفوتها الباص يستيقظ أبوها وهو نصف نائم ليوصلها بالسيارة..

محفظة محمد عبارة عن حقيبة من القماش بدون جيوب يقوم بتعليقها بالعرض تحتوي على كتاب مدرسي ودفترين وأدوات مدرسية بسيطة..يستعمل الريشة ودواية الحبر لكتابة الدروس مع منشفة لمسح عرق اليدين.كانت الكتابة فن اقرب إلى الرسم لذلك كان محمد يعود للمنزل يوميا ملطخا ببقع الحبر التي تملؤ وجهه وكفيه وملابسه..

في 2018 محفظة أروى عبارة عن حقيبة جلدية بها أكثر من عشرة جيوب كأنها حقيبة مقاتل أمريكي في العراق ،بعجلات صغيرة لجرها على الإسفلت كأنها ذاهبة إلى مطار نيويورك .تحتوي المحفظة على كتب مدرسية و دفاتر عليها صور باتمان و سيبرمان وبداخلها مقلمة محشوة بأدوات هندسية و أقلام جافة وملونة بكل الألوان و”بلانكو” لمسح كل شئ..

يفتح محمد تلاوة بوكماخ ويقرأ عن عنزة مسيو سوغان و باليماكو وهو يتسلق النخلةويتمتع بقراءة الثرثار ومحب الاختصار وحين يرفع رأسه ساهيا يتمعن في الصور الكبيرة التي تزين القسم( صورة الجزار الذي يعلق أمام دكانه خرفانا مذبوحة ويبتسم بشارب أسود كث، صورة الصياد الذي يصوب بندقية صيده نحو سرب البط…. صورة الملك وهو يضع أمامه الأسماك التي اصطادها في بحيرة القصر)

في 2018 تفتح أروى كتبها الغالية الثمن والرديئة الإخراج والتي خلعت سروالها الذي يشعرها بالحر وبقيت بسروالها الداخلي الصغير .وحين ترفع رأسها ساهية تتذكر أغنية جدتها العجيبة( الاغنية التي يتوارثها الأحفاد عن الأجداد (قرد بقرة برتقال..)والتي صارت من بعد شعارا يرفعه جمهور الكرة في الملاعب قبل ان تتحول الى شعار سياسي في المسيرات..

يراجع محمد دروسه قبل النوم وهو جالس على كرسيه مركزا على دفاتره دون ان يفكر في دروس خصوصية ولا يترك المراجعة الا لمساعدة أمه في نشر الغسيل أو لإحضار سخرة عند البشير صاحب الدكان او لمتابعة فيلم سينما الخميس الذي يقدمه علي حسن (سمر الليلة لهذا الخميس تحفة سينمائية من ارشيف السينما العالمية.موعدكم مع فيلم ليزوازو لافريد هيتشكوك قصة بلدة تجتاحها اسراب الطيور مما ادى الى ….)ويسرد قصة الفيلم كلها ويختمها بفرجة ممتعة

تراجع أروى دروسها على جهاز الكمبيوتر ولا تترك المذاكرة الا لمشاهدة اغنية على اليوتوب او الرد على الماسينجر او تصفح صفحتها على الفايسبوك او اكمال دردشتها على الواتساب

2018 يجلس محمد وابنته اروى لقراءة هذا المقال وهي تتعجب في قدرته على كتابة واعادة قراءة كل هذه السطور ويتعجب هو من قلة صبرها على الجلوس لخمس دقائق بدون الاطلالة على هاتفها المحمول

رابط مختصر
محمد أنفلوس
error: www.noonpost.ma